نقلت صحيفة "التلغراف" عن مسؤول مطّلع أن القيادة الإيرانية كانت تبحث منذ نحو 40 يومًا عن فرصة للاجتماع في مكان آمن بعيدًا عن المخاطر، بهدف تنسيق المواقف ومناقشة مستقبل البلاد.
بدت محادثات إسلام أباد بين واشنطن وطهران، في ظاهرها، محاولة دبلوماسية لاحتواء أكثر من شهر من التصعيد، غير أنها سرعان ما كشفت عن بُعدٍ آخر، إذ تحولت إلى "مساحة آمنة" مكّنت إيران من إعادة ترتيب وتنسيق دوائر قيادتها، وفق ما أفادت به تقارير إعلامية.
وبحسب صحيفة "التلغراف" البريطانية، فإن الطائرة التي أقلّت الوفد الإيراني إلى باكستان أثارت دهشة حتى المسؤولين الأمريكيين، بعدما نزل منها 71 شخصًا، بينهم 69 رجلًا وامرأتان، جميعهم ببدلات سوداء موحدة.
وضم الوفد شخصيات بارزة في هرم السلطة الإيرانية، من بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وأمين مجلس الدفاع علي أكبر أحمديان، إلى جانب عدد من كبار الدبلوماسيين ومستشاري الحرس الثوري والصحفيين.
وهذه الجولة من التفاوض مثّلت أعلى مستوى من التواصل المباشر بين واشنطن وطهران منذ اقتحام السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، غير أن أهميتها لم تقتصر على الجانب الدبلوماسي.
فبحسب "التلغراف"، فإن الولايات المتحدة منحت إيران، "دون قصد"، فرصة لم تتح لها منذ 28 فبراير، وهي اجتماع قادتها في مكان آمن بعيدًا عن خطر الاستهداف بضربات جوية، في ظل حملة قصف أمريكية-إسرائيلية استهدفت مواقع قيادية داخل إيران خلال الأسابيع السابقة.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول إيراني مطلع أن القيادة الإيرانية كانت تبحث منذ نحو 40 يومًا عن فرصة للاجتماع دون مخاطر، من أجل تنسيق المواقف ومناقشة مستقبل البلاد. وأضاف أن "هذه الرحلة ساعدت كثيرًا في إدارة شؤون الدولة، فإيران ذهبت بنية السلام، لكن الأمريكيين ساعدوا، دون قصد، في تمكينها من التنسيق تحسبًا لأي تصعيد جديد".
وتشير المعطيات إلى أن قيمة هذه الاجتماعات الداخلية ربما فاقت أهمية نتائج المفاوضات نفسها، إذ اعتبر المسؤول أن الرحلة "كان لها تأثير إيجابي في إدارة البلاد"، لافتًا إلى احتمال تبادل رسائل مع المرشد الجديد مجتبى خامنئي.
وتتزامن هذه التطورات مع حالة من الضبابية التي تحيط بهرم القيادة في إيران، في ظل غياب المرشد الجديد عن الظهور العلني منذ توليه المسؤولية عقب مقتل والده علي خامنئي.
وفي هذا السياق، أفاد المصدر نفسه بأن التساؤلات تتزايد داخل دوائر الحكم حول مصير القائد الجديد ومكان وجوده، بل وحتى بشأن وضعه الصحي، لافتًا إلى أن محمد باقر قاليباف سعى إلى تهدئة هذه المخاوف عبر التأكيد على أن الأوضاع ما تزال تحت السيطرة.
في المقابل، كشفت الحرب الأخيرة عن نقطة ضعف هيكلية في النظام الإيراني، الذي يعتمد بشكل كبير على الاجتماعات المباشرة بين أركانه. فعملية صنع القرار تتطلب تواصلاً بين رجال الدين والعسكريين وصناع القرار، وهو ما تعطل بفعل الضربات الجوية التي استهدفت مراكز القيادة في طهران وأصفهان وقم.
وفي هذا السياق، لم يعد بإمكان كبار المسؤولين الاجتماع بأمان داخل البلاد، ما جعل من لقاء إسلام آباد فرصة لتجاوز هذا العائق.
وعلى مستوى التمثيل، أثار تشكيل الوفد الإيراني جدلًا بين المحللين، إذ كان من المتوقع أن يقود وزير الخارجية عباس عراقجي المفاوضات، نظرًا لخبرته الطويلة في الملف النووي، غير أن قيادة الوفد أُسندت إلى محمد باقر قاليباف،القائد السابق في الحرس الثوري.
وترى "التلغراف" أن هذا الاختيار يكشف استمرار هيمنة الحرس الثوري على القرار الاستراتيجي، حتى في المسارات الدبلوماسية، خاصة أن قاليباف يُعد من المقربين للقيادة العليا.
كما أن غياب الرئيس مسعود بزشكيان عن الوفد يعزز هذا الانطباع، في حين كشف حضور أحمديان أولوية البعد العسكري.
وانقسمت آراء المحللين حول دلالات هذا التشكيل، إذ اعتبر البعض أنه يكشف غياب الانسجام داخل الفريق المفاوض.
في المقابل، رأى الباحث أميد ممرّيان أن تركيبة الوفد تحمل رسالة مفادها وجود توافق داخلي على ضرورة التفاوض والتوصل إلى اتفاق.
جدير بالذكر أن المحادثات لم تدم طويلًا، إذ انهارت بعد 21 ساعة فقط، عقب مغادرة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الذي وصف المواقف الإيرانية بشأن تخصيب اليورانيوم ومضيق هرمز بأنها "غير مقبولة".
ورغم ذلك، أكد عراقجي أن الطرفين كانا "على بُعد خطوات" من التوصل إلى مذكرة تفاهم، قبل أن تصطدم المفاوضات بما وصفه بـ"التشدد الأمريكي".
على صعيد آخر، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أحدث تصريحاته، إن الصراع مع إيران يقترب بشكل كبير من نهايته، وذلك في ظل سريان اتفاق لوقف إطلاق النار يمتد لأسبوعين، انقضى نصفه حتى الآن.
ورغم هذا التقييم المتفائل، شدد في المقابل على أن دور الولايات المتحدة لم ينته بعد.
ومن المقرر إجراء جولة جديدة من المفاوضات بين واشنطن وطهران، بعد تعثر المحادثات السابقة في التوصل إلى اتفاق نهائي يضع حدًا للصراع.