أوضحت جينيفر كافانا أن إيران تنظر إلى المواجهة باعتبارها معركة وجود، ما يجعلها أكثر استعدادًا لتحمّل كلفة مرتفعة ولفترة طويلة، في حين تسعى الإدارة الأمريكية إلى تحقيق نتائج سريعة، وهو ما لا يتوافق مع طبيعة الحصار بوصفه أداة ضغط تعتمد أساسًا على التراكم البطيء للتأثير.
منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 12 أبريل عن بدء حصار يستهدف الموانئ الإيرانية بهدف الضغط على طهران للقبول باتفاق سلام، عاد الجدل مجددًا حول فعالية هذا النوع من الأدوات العسكرية وقدرتها على تحقيق نتائج سياسية سريعة.
ورغم أن الإدارة الأمريكية ترى في الحصار وسيلة ضغط، إذ اعتبر ترامب أن الضغط الاقتصادي، وخاصة الحصار البحري، أكثر فاعلية من العمليات العسكرية المباشرة، قائلاً: "الحصار يخيفهم أكثر من القصف.. لقد تعرضوا للقصف لسنوات، لكنهم يكرهون الحصار"، فإن التجارب التاريخية والواقع العملياتي يشيران إلى نتائج أكثر بطئًا مما تتوقعه واشنطن.
وقالت مديرة التحليل العسكري في مؤسسة "أولويات الدفاع" جينيفر كافانا إن استراتيجية الرئيس ترامب القائمة على فرض حصار على إيران لن تحقق النتائج السريعة التي تراهن عليها الولايات المتحدة، موضحة أن هذا النوع من الأدوات الاقتصادية والعسكرية قد يخلق ضغطًا على المدى الطويل، لكنه لا يؤدي عادة إلى تغييرات سياسية عاجلة.
وفي مقال بصحيفة "نيويورك تايمز"، أوضحت كافانا، أن لجوء ترامب إلى الحصار يعكس نمطًا متكررًا في مقاربته للسياسة الخارجية، حيث استخدم هذه الأداة سابقًا ضد فنزويلا وكوبا، قبل أن يوسعها في الملف الإيراني.
وأشارت كافانا إلى أن الهدف الأمريكي يتمثل في دفع إيران إلى التراجع عبر خنق اقتصادها والضغط عليها لإعادة فتح مضيق هرمز والقبول بشروط واشنطن، لكنها رأت أن هذه المقاربة تصطدم بواقع آخر، يتمثل في الفجوة بين الحسابات السياسية الأمريكية وطبيعة الصراع.
وأضافت أن سيطرة إيران على المضيق لم تكن سبب اندلاع الحرب. فقبل التصعيد، كانت حركة الملاحة تمر بشكل طبيعي عبر هذا الممر. لكن إغلاق طهران الفعلي للمضيق، منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات عليها، جعل منه إحدى أبرز نقاط الأزمة، وهو ما تسعى إدارة ترامب إلى معالجته.
وترى كافانا أن واشنطن تراهن على أن فرض حصار مضاد سيؤدي إلى خنق الاقتصاد الإيراني، وبالتالي إجبار القيادة في طهران على إعادة فتح المضيق والقبول بشروط أمريكية، غير أن هذا الرهان، بحسب تحليلها، يتجاهل طبيعة الصراع.
وأوضحت أن إيران تنظر إلى المواجهة باعتبارها معركة وجود، ما يجعلها مستعدة لتحمل كلفة عالية ولمدة طويلة، في حين تسعى الإدارة الأمريكية إلى تحقيق نتائج سريعة، وهو ما لا يتوافق مع طبيعة الحصار كأداة تعتمد على التراكم البطيء للضغط.
وقالت كافانا إن الحصار قد يفرض كلفة اقتصادية حقيقية على إيران، لكنه "لن يحقق ما تتوقعه واشنطن".
ودعمت هذا الطرح بأمثلة تاريخية، من أبرزها الحصار البحري البريطاني على ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، والذي فُرض تقريبًا منذ بداية الحرب عام 1914. وقد كان الهدف منه تقييد وصول ألمانيا إلى الغذاء والدواء والمواد الأساسية التي تدعم المجهود الحربي.
وأدى هذا الحصار إلى معاناة شديدة داخل المجتمع الألماني، وأسهم في وفاة المدنيين نتيجة نقص الغذاء والمواد الحيوية، كما انعكس سلبًا على قدرة الجيش الألماني على مواصلة عملياته بكفاءة.
لكن رغم هذه الضغوط الكبيرة، فإن الحصار لم يحقق الهدف السياسي السريع المتمثل في إجبار ألمانيا على الاستسلام، إذ استمرت الحرب لسنوات إضافية، ولم تنتهِ إلا في أواخر عام 1918.
وفي تجارب أحدث، بدأت الولايات المتحدة اعتراض شحنات النفط المتجهة إلى كوبا في محاولة للضغط على هافانا من أجل تقديم تنازلات، غير أن النتائج بقيت محدودة، إذ باتت الجزيرة على حافة انهيار إنساني دون أن يرضخ النظام الكوبي.
وفي الحالة الإيرانية، رأت كافانا أن طهران تمتلك أدوات للتكيف. إذ تشير تقديرات حديثة إلى توفر نحو 90 مليون برميل من الطاقة التخزينية للنفط، وهو ما يسمح لها بمواصلة الإنتاج لمدة قد تصل إلى شهرين على الأقل.
كما تمتلك طهران مخزونات من الغذاء والسلع الأساسية، إضافة إلى شبكات تجارة برية يمكن الاعتماد عليها جزئيًا لتأمين بعض الواردات وحتى تصدير كميات محدودة من النفط. وبناءً على ذلك، يرجّح أن تتمكن إيران من "الصمود" أمام الحصار الأمريكي لعدة أشهر.
وفي حال تفاقم الضغوط، لا يستبعد التحليل أن تفضّل القيادة الإيرانية مواصلة المواجهة بدل القبول بشروط تعتبرها "مساسًا بالسيادة الوطنية".
وخلصت إلى أن استمرار هذه الاستراتيجية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال إطالة أمد الحرب وزيادة تكلفتها على الولايات المتحدة والأسواق العالمية، مع انعكاسات سياسية داخلية على إدارة ترامب.
وبحسب كافانا، فإن ميزان الصبر في هذا النوع من الصراعات يميل لصالح إيران، التي تمتلك قدرة أعلى على التحمل مقارنة بضغط الوقت الذي تعتمد عليه واشنطن.