حاولت الحكومة الألمانية احتواء التوتر المتصاعد، حيث شدد مسؤولون على أن التهديدات الأميركية بسحب القوات ليست جديدة، وأن برلين سبق أن تعاملت مع مواقف مماثلة.
صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومه على المستشار الألماني فريدريش ميرتس، داعياً إياه إلى التركيز على "إصلاح بلاده المتعثرة" بدلاً من التدخل في الملف الإيراني، ومتهماً إياه بالفشل في التعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية.
وقال ترامب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن ميرتس "كان غير فعّال تماماً" في ما يتعلق بجهود إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، مشيراً إلى أنه يجب على برلين توجيه جهودها نحو قضايا داخلية ملحّة،على رأسها ملفي الهجرة والطاقة، بدلاً من التدخل في شؤون أطراف أخرى تعمل "بحسب تعبيره" على إزالة التهديد النووي الإيراني، وهو ما اعتبره خطوة تسهم في تعزيز أمن العالم، بما في ذلك ألمانيا.
تلويح أميركي بإعادة النظر في الوجود العسكري
وجاءت تصريحات ترامب بعد يوم واحد من إشارته إلى أن الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا يخضع حالياً للمراجعة، مع احتمال تقليص عدد القوات المنتشرة هناك، وتستضيف ألمانيا ما بين 36 ألفاً و39 ألف جندي أميركي، يتركزون بشكل أساسي في قاعدتي شتوتغارت ورامشتاين، وهو رقم تراجع بشكل ملحوظ مقارنة بذروة الوجود الأميركي خلال الحرب الباردة.
ويُنظر إلى هذا الطرح على أنه امتداد لسياسات سابقة ألمح إليها ترامب خلال ولايته الأولى، ما يعكس استمرارية في نهج الضغط على الحلفاء الأوروبيين لإعادة توزيع الأعباء الدفاعية داخل حلف شمال الأطلسي.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن تصريحات ترامب جاءت رداً على مواقف حادة أدلى بها ميرتس في وقت سابق من الأسبوع، حيث اعتبر أن الولايات المتحدة تتعرض لـ"الإذلال" من قبل إيران، منتقداً في الوقت نفسه غياب استراتيجية خروج واضحة لواشنطن من النزاع.
غير أن ميرتس سعى لاحقاً إلى تهدئة الأجواء، إذ أكد خلال زيارة إلى قاعدة عسكرية في مونستر على أهمية الشراكة مع الولايات المتحدة وحلف "الناتو"، مشدداً على ضرورة التوصل إلى حل للصراع في الشرق الأوسط عبر إطار تقوده دول الحلف، وموجهاً انتقادات لإيران بسبب رفضها الانخراط في مفاوضات السلام.
برلين تمتص التصعيد وتؤكد الجاهزية
في المقابل، حاولت الحكومة الألمانية احتواء التوتر المتصاعد، حيث شدد مسؤولون على أن التهديدات الأميركية بسحب القوات ليست جديدة، وأن برلين سبق أن تعاملت مع مواقف مماثلة.
وفي هذا السياق، أوضح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، خلال زيارة إلى المغرب، أن رؤساء أميركيين سابقين، من بينهم جو بايدن وباراك أوباما وبيل كلينتون، طرحوا بدورهم فكرة إعادة توزيع القوات الأميركية عالمياً، لا سيما نحو منطقة المحيط الهادئ.
وأكد فاديفول أن بلاده تستعد لمثل هذه التحولات، مشيراً إلى أن نقاشات مكثفة تجري داخل أروقة "الناتو" بروح من الثقة، وأن ألمانيا تدرك ضرورة تعزيز قدراتها الدفاعية وتحمل مسؤوليات أكبر في المرحلة المقبلة.
رامشتاين: قاعدة لا يمكن الاستغناء عنها
ورغم الحديث عن تقليص محتمل، استبعد فاديفول حصول انسحاب كامل للقوات الأمريكية من قاعدة رامشتاين الجوية، نظراً لأهميتها الاستراتيجية للولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء.
وفي هذا الإطار، اعتبرت خبيرة الأمن عبر الأطلسي كلوديا ماجور أن استخدام هذه القاعدة كورقة ضغط ليس جديداً، مشيرة إلى أن التصريحات الأميركية الأخيرة تعكس نمطاً متكرراً في إدارة العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين.
وأضافت أن الرسائل الصادرة من واشنطن تثير قلقاً متزايداً بشأن موثوقية الشراكة، لكنها في الوقت نفسه تدفع أوروبا إلى إعادة التفكير في مستوى اعتمادها على الدعم الأميركي، محذّرة من أن هذا التحول قد يقود إلى مزيد من عدم الاستقرار وتراجع في مستويات الأمن.
من جهته، دعا النائب عن الاتحاد الديمقراطي المسيحي رودريش كيزيفيترإلى التعامل مع تصريحات ترامب بهدوء، مؤكداً أن تقليص القوات الأميركية "أمر مطروح منذ فترة ولم يعد مفاجئاً".
وأشار إلى أن الوجود العسكري الأميركي في ألمانيا، بما يشمله من منشآت حيوية مثل مستشفى لاندشتول العسكري ومراكز التدريب في غرافنڤور، يخدم بالدرجة الأولى المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، خاصة في ما يتعلق بقدرتها على نشر قواتها عالمياً.