في خضمّ التصعيد العسكري المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بمقطع فيديو أثار موجة من التكهنات بشأن مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.
الفيديو الذي يُظهر جنودًا أمريكيين يحملون حقائبهم ويسيرون في طوابير ليلاً حصد ملايين المشاهدات على منصات متعددة، وجاء مصحوبًا بتعليقات زعمت أن "الولايات المتحدة أعلنت الانسحاب من قواعدها في قطر والبحرين والكويت والعراق والأردن والإمارات وسوريا وعدة دول خليجية"، في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر فترات التوتر احتدامًا بين واشنطن وطهران.
نُشر الفيديو على منصة "إكس" مصحوبًا بالتعليق التالي: "عاجل: الولايات المتحدة أعلنت الانسحاب من قواعدها العسكرية في قطر والبحرين والكويت والعراق والأردن والإمارات وسوريا وعدة دول خليجية. ويبدو أن اللقطات المتداولة تشير إلى أن إيران ربما باتت تمتلك اليد العليا في الحرب".
وبحسب الادعاءات المرافقة له، يُظهر الفيديو عناصر من الجيش الأمريكي يحملون أمتعتهم الشخصية ومعداتهم العسكرية ويسيرون في تشكيلات منتظمة تحت الظلام، في مشهد يوحي بعملية انسحاب منظمة من إحدى القواعد العسكرية.
وسرعان ما انتشر الفيديو كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي الأخرى، حيث تفاعل معه الآلاف من المستخدمين الذين انقسموا بين من اعتبره خبرًا صحيحًا ومن شكك في مصداقيته، خاصة في ظل أجواء الحرب النفسية التي ترافق عادة مثل هذه الصراعات.
ماذا كشفت أدوات التحقق؟
بعد التدقيق في الفيديو المتداول، تبين أن الادعاءات المرافقة له لا أساس لها من الصحة على الإطلاق. فقد أظهر البحث العكسي عن لقطات المقطع أن النسخة الأقدم منه نُشرت في شهر يناير الماضي، أي قبل أسابيع طويلة من التصعيد العسكري الأخير الذي بدأ في 28 فبراير، مما يعني أن إعادة تداوله تأتي في سياق مضلل تمامًا ويهدف على الأرجح إلى تأجيج المشاعر وإثارة البلبلة في أوقات الأزمات.
وأكد تدقيق معمق أجرته أداة التحقق الرقمية "غروك" أن "هذا الادعاء غير صحيح أو مضلل"، مشيرًا إلى أنه "لم يُعلن عن أي انسحاب كامل من الكويت أو العراق أو الأردن أو الإمارات أو مواقع أخرى في الخليج — ولا تزال القوات تعمل هناك".
وأضافت الأداة في تحليلها أن ما يظهره الفيديو على الأرجح هو توثيق لعملية إعادة انتشار محدودة لجنود (ربما في سوريا)، وهي عمليات روتينية تحدث بشكل مستمر في القواعد العسكرية ولا تعكس أي تغيير استراتيجي في السياسة الدفاعية الأمريكية.
كما شددت الأداة على أن الصراع المتمثل في العمليات الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لا يزال مستمرًا، دون أي مؤشرات على تراجع أمريكي أو انتصار إيراني حاسم.
واللافت أن الجيش الأمريكي لا يزال يحتفظ بحضور عسكري واسع في المنطقة، حيث يبلغ عديد قواته حوالي 40 ألف جندي موزعين على 19 موقعاً عسكرياً على الأقل.
وتعد قاعدة العديد في قطر الأبرز بين هذه المواقع، حيث تضم وحدها حوالي 10 آلاف جندي، إلى جانب قاعدة الأسطول الخامس في البحرين، ومخيم عريفجان في الكويت، وقاعدة الحرير في أربيل شمال العراق. وهذه القواعد تمثل نقاط ارتكاز استراتيجية للقوات الأمريكية في المنطقة، وتستمر العمليات منها بشكل طبيعي دون أي مؤشرات على انسحاب وشيك.
حرب "قصيرة الأمد"؟
خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمس الاثنين، بتصريحات مثيرة للجدل أكد فيها أن الحرب مع إيران "ستنتهي قريبًا"، واصفًا إياها بأنها "تحرك قصير الأمد". وقال في مؤتمر صحفي جمعه بالصحفيين: "ستنتهي قريبًا، وإذا اندلعت من جديد فسيتم ضربهم بقوة أكبر".
وأضاف ترامب مبررًا العمليات العسكرية: "قمنا بتحرك صغير لأننا شعرنا بأن علينا القيام به للتخلص من بعض الأشخاص. وأعتقد أنكم سترون أنها ستكون عملية قصيرة الأمد".
لكن تصريحات الرئيس الأمريكي حملت نبرة مزدوجة وغير حاسمة، حيث قال إن الأهداف الأمريكية "تحققت إلى حد كبير" من جهة، بينما أيد تحذيرات وزير دفاعه بيت هيغسيث من أن "المعركة بدأت للتو" من جهة أخرى. وفسر ذلك بقوله: "إنها بداية بناء بلد جديد"، في إشارة غامضة إلى إعادة تشكيل المشهد الإقليمي بعد الحرب.
وجاءت هذه التصريحات دون تقديم جدول زمني محدد لإنهاء العمليات العسكرية، ودون توضيح طبيعة "التحرك الصغير" الذي تحدث عنه، مما يترك الباب مفتوحًا على مصراعيه للتكهنات حول مستقبل الوجود الأمريكي في المنطقة وسط تصاعد التوتر مع إيران.
وفي الوقت الذي يواصل فيه الطيران الأمريكي شن غاراته على مواقع إيرانية، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت التصريحات الرئاسية تعكس نية حقيقية لإنهاء الصراع أم أنها مجرد رسائل في سياق الحرب الإعلامية.