يشير باحثون في علم الجريمة وتحليل البيانات إلى أن الاعتماد على التشابه السلوكي بدل الأدلة المباشرة يزيد من احتمالات الخطأ، خصوصًا عندما تُستخدم الخوارزميات في سياقات قتالية معقدة.
تشهد الحروب الحديثة تحولًا في طبيعة جمع المعلومات واتخاذ القرار العسكري، مع تصاعد الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في تحديد الأهداف وإدارة العمليات الميدانية. ولم تعد عمليات الاستهداف تعتمد حصريًا على الاستخبارات البشرية أو المراقبة التقليدية، بل باتت تستند إلى منظومات رقمية متقدمة تدمج بيانات الاتصالات والموقع والسلوك اليومي للأفراد، لتعيد تشكيلها في نماذج تحليلية تُستخدم في دعم القرار العسكري.
في هذا السياق، تبرز حالة أحمد ترمس، الذي قُتل في عملية استهداف في جنوب لبنان، بوصفها مثالًا تُشير إليه تقارير صحفية وتحقيقات ميدانية ضمن نقاش حول تداخل البيانات الشخصية بالبنية الاستخباراتية العسكرية، وكيف يمكن لتفاصيل الحياة اليومية أن تتحول إلى عناصر داخل ما يُعرف بـ"ملفات الأهداف".
لحظة الاستهداف
بحسب تقارير إعلامية، كان ترمس داخل سيارته عندما شغّلها وانطلق في طريقه، قبل أن يتعرض بعد أقل من 30 ثانية لقصف صاروخي أدى إلى مقتله وتدمير المركبة. وتُقدَّم هذه العملية، وفق تلك الروايات، ضمن نمط من الاستهدافات التي تعتمد على تحليل بيانات مسبق وتحديد أهداف بشكل سريع ودقيق.
وتشير روايات عائلية وشهادات وردت في تحقيقات صحفية إلى أن ترمس كان يعيش في بيئة متوترة في جنوب لبنان، حيث تُسجَّل حركة مكثفة للطائرات المسيّرة في الأجواء، يُعتقد أنها تجمع بيانات مستمرة عن الأشخاص والمركبات وأنماط الحركة اليومية.
ووفق خبراء في تحليل البيانات العسكرية، تعتمد مثل هذه الأنظمة على دمج كميات ضخمة من المعلومات القادمة من مصادر متعددة، تشمل الهواتف المحمولة، وكاميرات المراقبة، وشبكات الاتصالات، وإشارات الواي فاي، إضافة إلى بيانات المرور والسجلات المدنية، وأحيانًا مصادر رقمية وميدانية أخرى.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن بعض التقنيات قد تتضمن أدوات لاعتراض الإشارات أو محاكاة شبكات الاتصالات، بما يسمح بتتبع تحركات الأفراد بشكل لحظي أو شبه لحظي.
بعد ذلك، تُدخل هذه البيانات إلى أنظمة تحليل متقدمة تعمل على ربط الهوية الرقمية بكل فرد بسلسلة من الأنشطة اليومية والعلاقات الاجتماعية والأنماط السلوكية، بما يُنتج ما يشبه "ملفًا سلوكيًا" مفصلًا.
وفي حالة أحمد ترمس، تشير المعلومات المتداولة إلى وجود ارتباطات عائلية مباشرة بحزب الله، حيث قُتل أحد أبنائه سابقًا وأُصيب آخر في عمليات سابقة استهدفت عناصر من الحزب.
وتعتمد الأنظمة التحليلية، بحسب خبراء، على تراكم مؤشرات متعددة مثل مكان الإقامة، وشبكات العلاقات، وأنماط التنقل، وسلوك الاتصالات، لتقييم ما يُعرف بـ"مستوى التهديد" المحتمل لكل فرد.
وبحسب "جيرازوليم بوست"، تقول مصادر مطلعة إن هذه المنظومات قادرة على تقليص زمن تحليل الهدف من أسابيع إلى ثوانٍ، عبر أتمتة واسعة لعمليات التقييم واتخاذ القرار.
الذكاء الاصطناعي وتحديد مستوى التهديد
في المرحلة التالية، تتولى خوارزميات الذكاء الاصطناعي معالجة البيانات وتصنيفها بسرعة عالية، عبر مقارنة الأنماط السلوكية بنماذج معروفة لأشخاص يُصنفون كعناصر مسلحة أو أهداف عسكرية محتملة.
وتقوم هذه الأنظمة بإنتاج تقديرات احتمالية لمستوى التهديد، استنادًا إلى تحليل الحركة والعلاقات والانحرافات عن الروتين اليومي، ما يجعل القرار النهائي مبنيًا على مخرجات إحصائية أكثر من كونه قائمًا على أدلة مباشرة.
ويثير هذا النمط من الاستهداف جدلًا واسعًا في الأوساط القانونية والأكاديمية، خاصة فيما يتعلق بقدرة الأنظمة الآلية على التمييز بين المدنيين والمقاتلين.
ويحذر خبراء من أن الاعتماد على مؤشرات غير مباشرة مثل العلاقات الاجتماعية أو القرب الجغرافي أو الروابط العائلية قد يؤدي إلى إدراج أشخاص غير مشاركين في العمليات العسكرية ضمن قوائم الاستهداف.
كما يشير باحثون في علم الجريمة وتحليل البيانات إلى أن الاعتماد على التشابه السلوكي بدل الأدلة المباشرة يزيد من احتمالات الخطأ، خصوصًا عندما تُستخدم الخوارزميات في سياقات قتالية عالية التعقيد.
ولا يُعد توظيف البيانات في العمليات العسكرية أمرًا جديدًا، إذ اعتمدت جيوش عدة، من بينها الجيش الأمريكي خلال حربي العراق وأفغانستان، على تحليل بيانات الاتصالات لرصد تحركات المقاتلين.
لكن التطور التكنولوجي في السنوات الأخيرة حوّل هذه الأدوات إلى أنظمة أكثر تعقيدًا وقدرة على التنبؤ، تسعى إلى استباق الأحداث عبر تحليل الأنماط السلوكية والتاريخية.
بحسب روايات العائلة، تلقى أحمد ترمس مكالمة قبل مقتله مباشرة، وبعدها أدرك أنه قد يكون مستهدفًا. وعند عودته إلى المنزل، قام بإيقاف هاتفه ثم أعاد تشغيله لاحقًا.
بعد دقائق، غادر المنزل بسيارته، ولم تمضِ سوى ثوانٍ حتى استُهدفت المركبة بصاروخين أدى انفجارهما إلى مقتله على الفور.