بعد أشهر من الجمود السياسي، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة مع تسلّم علي الزيدي مهامه رئيساً للوزراء، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات معقدة على رأسها الضغوط الإقليمية والأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية.
أدى الزيدي، اليوم الخميس، اليمين الدستورية رئيساً للحكومة العراقية الجديدة، بعدما صادق البرلمان على معظم الوزراء الذين اقترحهم، منهياً بذلك أشهراً من التعثر السياسي عقب الانتخابات الوطنية التي جرت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.
وفي أول تصريح له بعد توليه المنصب، شكر الزيدي البرلمان والقوى السياسية على منح الثقة لحكومته، معتبراً أن ذلك يأتي "في موقف يجسد الأهمية القصوى للمصلحة الوطنية وروح الشراكة والمسؤولية".
وقال الزيدي: "هذه الثقة تمثل مسؤولية كبيرة وتعهدًا لشعبنا العزيز بأننا سنمضي بثبات نحو ترسيخ الاستقرار، وتعزيز هيبة الدولة، وتحقيق تطلعات العراقيين إلى التنمية والعدالة والحياة الكريمة".
وكان الرئيس العراقي نزار آميدي قد كلّف الزيدي، وهو رجل أعمال ثري يبلغ من العمر 41 عاماً، بتشكيل الحكومة في 27 أبريل/ نيسان، ليخلف رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، الذي واصل إدارة البلاد بصفة تصريف أعمال ما بعد الانتخابات.
وهنأ آميدي رئيس الحكومة الجديد، واصفاً التصويت البرلماني بأنه "محطة وطنية مفصلية" وخطوة باتجاه مزيد من الاستقرار السياسي، معرباً عن تطلعه إلى استكمال تعيين بقية الوزراء "في أسرع وقت ممكن لضمان الانطلاق الفاعل للبرنامج الحكومي وتحقيق تطلعات العراقيين".
ومن المتوقع أن تضم الحكومة 23 وزيراً، فيما احتفظ فؤاد حسين بمنصب وزير الخارجية الذي شغله في حكومة السوداني السابقة، بينما تولى باسم العبادي وزارة النفط، التي تشكل العمود الفقري لإيرادات الدولة العراقية.
ووفق وكالة الأنباء العراقية، صادق البرلمان على 14 وزيراً من الأسماء المطروحة، فيما بقيت تسع حقائب شاغرة، أبرزها وزارتي الداخلية والدفاع.
وفي موازاة الجلسة البرلمانية، شُددت الإجراءات الأمنية في محيط المنطقة الخضراء في بغداد، التي تضم البرلمان ومقار الحكومة والسفارات الأجنبية، تحسباً لأي تطورات أمنية.
ضغوط أمريكية ورسائل إيرانية
تعهد الزيدي، خلال كلمته أمام البرلمان، بالعمل على "حصر السلاح بيد الدولة"، مؤكداً أن حكومته ستسلك ثلاثة مسارات أساسية، بينها "إصلاح المنظومة الأمنية من خلال حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز قدرات القوات الأمنية وترسيخ ثقة المواطن بالديمقراطية".
وقد أبصرت الحكومة الجديدة النور على وقع ضغوط أمريكية وإيرانية على حدّ سواء، فالإدارة الأمريكية دفعت باتجاه الحد من نفوذ الفصائل المسلحة المدعومة من إيران، بينما سعت طهران إلى إبقاء بغداد ضمن دائرة نفوذها السياسي والأمني.
وبرز الزيدي كمرشح توافقي بعدما رفضت واشنطن ترشيح الإطار التنسيقي لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، ولوّحت بوقف المساعدات الأمريكية في حال وصول شخصية مقربة من إيران إلى رئاسة الحكومة.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن دعمه العلني لترشيح الزيدي، وأجرى معه اتصالاً هاتفياً دعاه خلاله إلى زيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة.
في المقابل، زار قائد "فيلق القدس" الإيراني إسماعيل قاآني بغداد هذا الأسبوع، داعياً الفصائل الشيعية إلى عدم الرضوخ للضغوط المطالبة بنزع سلاحها أو الانحياز نحو واشنطن.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية في الخليج، رغم وقف إطلاق النار المؤقت بين إيران والولايات المتحدة الذي أُعلن في أبريل/ نيسان الماضي.
اقتصاد مأزوم ونفط تحت الحصار
يبدأ الزيدي ولايته في ظل أزمة اقتصادية خانقة تضرب العراق نتيجة الإغلاق الإيراني لمضيق هرمز، الممر الرئيسي لصادرات النفط والغاز في المنطقة، بعد الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 فبراير/ شباط.
وأدى إغلاق الممر البحري إلى تراجع صادرات العراق النفطية من نحو 3.5 ملايين برميل يومياً إلى ما يقارب 300 ألف برميل فقط، ما تسبب بخنق المصدر الأساسي لإيرادات الدولة العراقية، ودفع الاقتصاد إلى مرحلة هشّة.
ويتضمن البرنامج الحكومي الذي قدمه الزيدي إلى البرلمان، ويحمل عنوان "دولة مستقرة، اقتصاد منتج، شراكات متوازنة"، تعهدات بأهداف قابلة للقياس في مجالات الطاقة والإصلاح الاقتصادي والأمن الوطني.
لكن تنفيذ هذه الالتزامات يبقى مرتبطاً بمسار التطورات الدبلوماسية وإمكانية إعادة فتح طرق تصدير النفط، إلى جانب ضمان التدفق المستقر للعائدات النفطية العراقية المودعة في بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك.