أكدت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة رسميا بدء ظاهرة "إل نينيو"، والمتوقع أن تفاقم الاحترار العالمي الناتج عن حرق الوقود الأحفوري.
تشكلت ظاهرة "إل نينيو" المناخية، التي توصف غالبا بأنها أحد أكثر العوامل الطبيعية فوضوية في نظام المناخ، في مياه المحيط الهادئ الدافئة، ويتوقع خبراء الأرصاد أن تشتد لتبلغ قوة تاريخية، وفقا لإعلان صدر في 11 يونيو. ويقول العلماء إن "إل نينيو"، وهو طور طبيعي من ارتفاع حرارة سطح البحر، سيضيف مزيدا من السخونة إلى كوكب يزداد احترارا أصلا بفعل تلوث الوقود الأحفوري، وقد يعمل على تسريع موجات الطقس المتطرف حول العالم. وأكدت الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) رسميا تشكل "إل نينيو"، وهو ارتفاع في حرارة مياه الهادئ قرب خط الاستواء يؤثر في أنماط الطقس عالميا، مشيرة إلى أن هناك احتمالا قدره 63 في المئة لأن تشتد الظاهرة في أواخر الخريف وبداية الشتاء إلى درجة "ستجعلها في مصاف أقوى أحداث إل نينيو المسجلة منذ عام 1950". وتوضح عالمة المناخ في جامعة كلارك آبي فريزر أن المياه الدافئة والعميقة المصاحبة لـ"إل نينيو" تجلب "كما كبيرا من الحرارة الإضافية إلى السطح، ما يغذي الكثير من الظواهر المتطرفة في بقاع عديدة من العالم"، محذرة من أنه "خصوصا في المحيط الهادئ يمكن أن تتدهور الأوضاع بسرعة كبيرة". من جهته وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ظاهرة "إل نينيو" بأنها "إنذار مناخي عاجل"، مؤكدا في رسالة مصورة أن "ظروف إل نينيو ستسكب الوقود على نار عالم يزداد سخونة".
تأثيرات "إل نينيو" بين الرابحين والخاسرين
تختلف تداعيات هذا النمط المناخي من منطقة إلى أخرى؛ إذ تميل "إل نينيو" إلى إضعاف موسم الأعاصير في الأطلسي، من دون أن تلغيه كليا، بينما تزيد من نشاط الأعاصير في المحيط الهادئ، ما قد يمنح السواحل الشرقية والجنوبية للولايات المتحدة فترة هدوء نسبيا، في حين تتعرض هاواي وجزر أخرى لمخاطر أكبر، بحسب فريزر. ويرى علماء المناخ أن منطقة الشرق الأوسط، التي تعاني من الجفاف، قد تستفيد من هذه الظاهرة، في حين تواجه مناطق أخرى مخاطر متزايدة؛ فبعض أجزاء غرب أميركا الجنوبية، حيث رُصدت أولى ظواهر "إل نينيو" قبل عقود، تتعرض عادة لأمطار غزيرة وفيضانات يصاحبها صيف أكثر حرارة، بينما تواجه الهند موجات حر أكثر شدة، وتتعرض أستراليا لخطر الجفاف وحرائق الغابات والحر الشديد. ويقول خبير المناخ في جامعة كولومبيا والمتخصص في "إل نينيو" محمد أزهار إحسان إن شرق أفريقيا الشمالي مرشح لأن يمر بما يشبه "السوط المناخي"، من جفاف حاد إلى أمطار غزيرة خطرة.
في الولايات المتحدة، يمكن لظواهر "إل نينيو" أن تتسبب في عواصف أشد غزارة على ولايات الجنوب، لكنها تميل في الوقت نفسه إلى إفادة قطاع الزراعة الأمريكي عموما، وفق ما يقول جون غوتشالك، رئيس الفرع التشغيلي في مركز التنبؤ بالمناخ التابع لـNOAA. ويشير عالم الأرصاد ورئيس الأبحاث في شركة الاستثمار "موبي" مايكل فيراري إلى أن الظروف تبدو مواتية لمحاصيل الحبوب والبذور، ولا سيما فول الصويا، في 18 ولاية رئيسية للزراعة، في حين تبدو الصورة أكثر تعقيدا بالنسبة لقطاعي الألبان والماشية. وقد تستفيد سلسلة جبال روكي الشمالية والجنوب الغربي الأمريكي، حيث تسود حاليا حالة جفاف ثلجي غير مسبوقة، من أمطار صيفية قوية، على أن تظهر أكبر الآثار عادة في الشتاء، عندما يصبح الجنوب أكثر رطوبة والشمال الغربي المطل على الهادئ أكثر دفئا وجفافا. لكن ارتفاع درجات الحرارة المرتبط بهذا النمط المناخي يمكن في المجمل أن يكبح النمو الاقتصادي الأمريكي، بحسب خبير اقتصاد المناخ في جامعة ستانفورد مارشال بيرك، في وقت يتوقع فيه عدد من علماء المناخ أن يكون عام 2027 الأشد حرارة على الإطلاق بسبب الآثار المتأخرة لهذه الظاهرة، التي يُتوقع أن تبلغ ذروتها في الخريف أو الشتاء، قائلا: "لدينا أدلة واضحة إلى حد بعيد على أن الاقتصاد الأمريكي ينمو ببطء أكبر عندما تكون درجات الحرارة أعلى من المعدل".
مؤشرات مبكرة قوية على "إل نينيو"
تتوقف حدة حالات الطقس المتطرف التي تجلبها "إل نينيو" أيضا على توقيت تطورها؛ فغالبا ما تتشكل هذه الظاهرة في فصل الصيف، وتبلغ ذروتها بين أواخر الخريف وبداية الشتاء، ثم تضعف في الربيع التالي، وفق ما يوضح العلماء. غير أن فريق إحسان يتوقع أن تبلغ "إل نينيو" الحالية ذروتها قبل ذلك بشهر أو شهرين استنادا إلى مؤشرات مبكرة قوية ظهرت في الأسابيع الأخيرة، بينما يشير عالم المناخ في جامعة برينستون غابرييل فيكي إلى أن الظواهر الكبرى من هذا النوع تميل كذلك إلى الاستمرار لفترة أطول. ويضيف فيكي أن المؤشرات المبكرة، ومنها اندفاع مياه أكثر دفئا نحو سطح المحيط الهادئ، كانت قوية وواضحة إلى درجة أن خبراء التنبؤ أجمعوا على توقع "إل نينيو" شديدة القوة هذه المرة، في حين تكون توقعات "إل نينيو" في مثل هذا الوقت من العام عادة متباينة للغاية.
ويتوقع عدد من العلماء، ومنهم فريزر، أن تصبح ظواهر "إل نينيو" أقوى مع استمرار احترار الكوكب نتيجة حرق الفحم والنفط والغاز، لكنها تؤكد أن من المبكر الجزم بما إذا كانت الظاهرة الحالية جزءا من هذا الاتجاه أم لا. وحتى قبل أن تُعلن رسميا، حظيت "إل نينيو" الحالية بألقاب من قبيل "سوبر" و"غودزيلا"، غير أن إحسان من جامعة كولومبيا يرى أنه "بدلا من إثارة الخوف يمكننا أن نحث الناس على أن يكونوا مستعدين".