ترزح الحياة اليومية في السويداء تحت وطأة انهيار اقتصادي غير مسبوق. إذ لم تعد المعاناة تقتصر على المهجّرين، بل امتدت لتشمل كل سكان المحافظة. الغلاء الفاحش، خصوصاً في أسعار الإيجارات التي تضاعفت عدة مرات، يتصدر أحاديث أهالي المدينة ذات الغالبية الدرزية.
لا تزال محافظة السويداء جنوبي سوريا تحاول لملمة جراح أحداث تموز/يوليو 2025 التي أعادت رسم ملامحها الأمنية والاجتماعية، ومع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لتلك الأحداث التي اقتلعت آلاف العائلات من قراها في الريف الغربي والشمالي، يعود المشهد إلى الغليان مجدداً وسط واقع تتقاطع فيه الأزمات الإنسانية مع التجاذبات السياسية والأمنية.
وبدأت الأصوات تتعالى في السويداء من قبل أهالي القرى المهجّرة في الريف الغربي والشمالي والتي يبلغ عددها 35 قرية، وتمثلت باحتجاجات غاضبة طالبوا فيها بالعودة إلى قراهم أو فتح جبهة عسكرية لاستعادة منازلهم وأراضيهم بالقوة، وحددوا مهلة زمنية لذلك، انقضت دون أي تحرك.
بالتوازي مع هذه الاحتجاجات والمطالبات، سارعت دمشق عبر محافظ السويداء مصطفى البكور إلى توجيه رسالة إلى سكان المنطقة، دعتهم فيها إلى "العودة إلى قراهم واستئناف حياتهم بشكل طبيعي". ويبلغ عدد تلك القرى نحو 35 قرية تقع في ريف المحافظة الغربي وتخضع لسيطرة حكومة دمشق.
وعرض تشكيل لجان من الأهالي أنفسهم برئاسة رؤساء البلديات، تتولى تنظيم العودة وحصر الاحتياجات وإعادة تفعيل الخدمات. وقال المحافظ مصدفى البكور في رسالته: "نحن نتابع يومياً ما تواجهونه من صعوبات وظروف قاسية، وندرك حجم المعاناة التي تعيشونها. عودتكم حق طبيعي لا ينازعكم فيه أحد".
رفض قاطع لدعوة محافظ السويداء
لكن الدعوة قوبلت برفض وريبة واسعيْن. مصدر متابع لملف المهجّرين، طلب عدم كشف هويته لدواعٍ أمنية يقول ليورونيوز: "الناس ضاقت بالوضع، وهناك احتجاجات يومية تطالب باستعادة القرى. حاولت حكومة دمشق استغلال هذه الدعوات. نحن نرى فيها خطراً محدقاً وفخاً سياسياً مدروساً. إنها ليست مبادرة إنسانية بريئة، بل محاولة لاستقطاب الناس واستغلال حاجتهم الملحة لاستعادة منازلهم، دون انسحاب العشائر منها وقوات الأمن العام التي تقيم فيها".
ويضيف المصدر محذراً: "هناك تخوّف مشروع ومبرّر من أن تؤدي هذه العودة إلى موجات اعتقالات تعسفية وحتى عمليات قتل، خاصة في ظل انعدام أي ضمانات أمنية من قبل الجهات التي ارتكبت المجازر بحقنا في تموز 2025. وعليه، فإن دور الحرس الوطني هنا يتجلى في منع الناس من الذهاب إلى تلك القرى، ليس رفضاً لحقهم في العودة بحد ذاتها، بل كإجراء وقائي لعدم وجود ثقة مطلقة مع طرف اعتبرناه قاتلاً، ولحماية الأرواح من مصير مجهول".
ويحدد المصدر الشرط الأساسي قائلاً: "انسحاب القوات الأمنية من تلك القرى وتسليمها للحرس الوطني هو شرط أساسي. دون ذلك فلا عودة".
انهيار معيشي واعتماد كلي على الإعانات
على الجانب الآخر من المشهد، ترزح الحياة اليومية في السويداء تحت وطأة انهيار اقتصادي غير مسبوق. إذ لم تعد المعاناة تقتصر على المهجرين، بل امتدت لتشمل كل سكان المحافظة. ولم يعد للناس حديث إلا الغلاء الفاحش، خصوصاً أسعار الإيجارات التي تضاعفت عدة مرات، وشح فرص العمل ما دفع بالكثير من أبناء المحافظة للالتحاق بصفوف الحرس الوطني.
يقول المصدر: "يعاني الوضع الداخلي في السويداء من انهيار معيشي حاد، تتصدره موجة غلاء فاحشة في أسعار الإيجارات. الواقع المعيشي متردٍّ لدرجة الاعتماد الكلي على الإعانات. الكنيسة قدمت دعماً إنسانياً وغذائياً وصحياً ملحوظاً لأهل السويداء الدروز والمسيحيين، إلا أن شراء أبسط الحاجيات كالملابس لا يزال يمثل تحدياً كبيراً أمام الناس في ظل تقلب الأحوال".
ويرسم صورة قاتمة للحياة اليومية فيقول: "الناس تدخر أي ليرة لكي تستمر في العيش، أو إن كان هناك أمل للعودة لمنازلها المحروقة والمهدمة، أن تعيد إحياءها من جديد وإحياء أراضيها".
من أين يأتي تمويل السويداء؟
وحول مصادر تمويل المحافظة واستمرار خدماتها الأساسية يقول المصدر لـيورونيوز: "المغتربون هم الشريان الحيوي. هم من يغطون الاحتياجات المادية للخدمات اليومية. هذا الأمر لم يبدأ اليوم، فالسويداء تعتمد بشكل جوهري على تحويلاتهم حتى قبل سقوط نظام الأسد لأمور شخصية الا ان اليوم هناك اعتماد كامل على الحوالات لعيش المدينة وسكانها".
ويضيف: "حالياً، ينظم المغتربون تجمعات لجمع المساعدات في دول الاغتراب وهناك دعم برز مؤخرا من المكوّن الدرزي في الجولان المحتل ومن دروز لبنان، في محاولة لسد الفراغ الناتج عن تردي الأوضاع".
ويشير إلى أن "قسماً من هذه المبالغ يذهب لصالح رواتب للحرس الوطني وهو مايشجع الشبان للالتحاق بصفوفه".
الحرس الوطني.. ضرورة أمنية أم قوة فوق الجميع؟
ومنذ إعلان تأسيسه في 23 آب 2025، بعد شهر واحد فقط من أحداث تموز الطائفية، تحول "الحرس الوطني" إلى اللاعب الأبرز في مشهد محافظة السويداء. فقد أصدرت عدد من الجماعات المسلحة بيانات أعلنت فيها اندماجها تحت مظلة هذا الكيان الموحّد، بهدف "حماية الجبل وأهله".
ويصف الحرس الوطني نفسه بأنه "المؤسسة العسكرية الرسمية الممثلة للطائفة الدرزية"، ويؤكد في بيانه التأسيسي "التزامه المطلق بقرارات القيادة الروحية للشيخ حكمت الهجري".
لكن الشارع في المحافظة منقسم في تقييمه لهذا التنظيم العسكري الجديد. تقول نسرين ــ اسم مستعار لضرورات أمنيةــ لـيورونيوز: "نشهد ممارسات استبدادية واضحة من قبل الحرس الوطني، بينما يبحث الناس عن حلول حقيقية. إن كل من يطالب بالحقوق أو يرفع صوته يُوصم بالخيانة. والأخطر من ذلك، أن ملف السويداء برمته خاضع لتحكم خارجي مباشر، مما يفقد الإرادة المحلية فعاليتها".
في المقابل، إسماعيل – اسم مستعار لضرورات أمنية - يدافع عن الحرس قائلاً ليورونيوز: "الحرس الوطني ليس مستبداً، لكن عليه فرض هيبته. وهناك قوانين وأنظمة، أي جهة أمنية تريد بسط هيبتها وتطبيق القوانين لمنع أي فوضى أمنية واجتماعية وضمان للأمن العام في السويداء".
إسرائيل.. الحامي والمبتز في آن
وسط هذا التشابك، يبرز الدور الإسرائيلي بوضوح. فمنذ التدخل العسكري لتل أبيب خلال أحداث تموز 2025، باتت الدولة العبرية حاضرة بقوة في المشهد بالسويداء، سواء كحامية للدروز من هجمات العشائر كما جرى سابقاً، أو كلاعب يفرض أجندته الخاصة.
ويقول المصدر ليورونيوز كاشفاً عن قراءة محلية لهذا الدور: "رقبتنا بيد إسرائيل؛ فهي من حمَتنا في أحداث تموز 2025، وتنتهج سياسة متعمدة تهدف إلى إغراق السويداء في فوضى معيشية ومطالبات، لتتدخل لاحقاً بوصفها المنقذ. نحن نرفض هذا السيناريو بشدة ونعتبره ابتزازاً، غير أن الخيارات المتاحة أمامنا تبدو محصورة في التعامل مع الواقع الحالي كخيار أقل سوءاً، وذلك بسبب انعدام الثقة المطلقة بحكومة دمشق وعدم وجود بديل أمني موثوق".
الانفصال وتشكيل كيان مستقلّ.. حلم يفتقر إلى مقوّمات البقاء
في خضم هذه الأوضاع، تتعالى أصوات تطالب بالانفصال عن دمشق وتشكيل كيان درزي مستقل. لكن هذه الدعوات، رغم شعبيتها النسبية، تصطدم بواقع اقتصادي وأمني صعب.
يقول ليث، وهو طبيب طلب إخفاء هويته لأسباب أمنية: "نحن نرفض رفضاً قاطعاً أي شكل من أشكال التعامل مع حكومة دمشق، فهي لا تعنينا. ومع ذلك، فإن مقوّمات تشكيل حكم ذاتي في السويداء تبدو شبه مستحيلة؛ فالمحافظة تعيش اعتماداً كلياً على التحويلات المالية، وتفتقر إلى القاعدة الصناعية والتجارية اللازمة لبناء كيان مستقل".
ويكشف عن بُعد آخر للمشكلة قائلاً: "فكرة إنشاء كيان درزي تواجه عقبات هائلة، خاصة وأن الجهة التي تتحكم فعلياً بهذه الدعوة وتوجهاتها هي إسرائيل، في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة. وحتى لو افترضنا جدلاً تحقق هذا المشروع، يبقى التساؤل مطروحاً: ما هو الشكل الذي سيتخذه؟ وما هي قدراته السيادية الحقيقية في غياب المقومات الاقتصادية والأمنية الذاتية؟".