عندما فتح قادة الناتو علب الهدايا من الرئيس التركي ووجدوا مسدس ".357 ماجنوم" شعر بعضهم بالذعر وضحك آخرون؛ فإهداء قادة الدول أسلحة فاخرة مخصصة تقليد قديم من زمن صامويل كولت حتى المسدس التشيكي المقدم لترامب في 2019.
عندما غادر قادة حلف شمال الأطلسي القمة التي استمرت يومين في أنقرة وهم يحملون هدية الوداع، لم يكلف معظمهم أنفسهم عناء النظر داخل أكياس الهدايا التي كانوا يحملونها.
في الواقع، لم يدرك رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وعدد من رؤساء الحكومات الآخرين ما تحتويه الصناديق الخشبية الفاخرة التي تلقوها من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلا عندما فتحوها لأول مرة، ليكتشفوا أن الصندوق القرمزي المبطن بلباد أسود يحتوي على مسدس ".357 Magnum" يشبه ذلك الذي حمله "Dirty Harry" في الأفلام، أو بالأحرى نسخته التركية الصنع.
هذا الاكتشاف أثار حالة من الذعر لدى البعض، وعلى رأسهم رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي فيفر، الذي التقط فريقه صورة للصندوق وهو موضوع داخل كيس ورقي للهدايا على أرض مطار بروكسل، بعدما اكتشفوا القطعة المطلية بالكروم والمخصصة بعناية باسمه عقب هبوطهم وعودتهم إلى البلاد.
فِرق الأمن المرافقة للوفود ازدادت ارتباكا حين تبين أن الصندوق يحتوي أيضا على ست طلقات حية، ما أدخل رؤساء الدول في دوامة من الجدل حول أفضل طريقة للتعامل مع السلاح.
آخرون مثل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني تعاملوا مع الأمر بروح الدعابة، إذ أطلق كارني نكتة مفادها أن هديته من شراب القيقب "لا ترتقي أبدا" إلى مستوى المسدس اللامع القوي.
لكن، مهما بدا الأمر غير مألوف، فإن تقديم سلاح حقيقي منقوش لرأس دولة بوصفه إشارة حسن نية – أو محاولة تسويق – يعد من أقدم الأعراف في الدبلوماسية وصناعة الأسلحة، وهو تقليد راسخ في الغرب كما في مناطق أخرى من العالم.
رجب ومسدسه
القصة انتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل الاجتماعي، لتقدم صورة عن زعيم قوي غير متوقع يفاجئ حلفاءه بهدية "غير معتادة"، بل حتى تحمل شيئا من الإيحاء بالتهديد، في عالم اعتاد أن يفعل الأمور بطريقة مختلفة.
المسدس "Gümüşay .357 Magnum" الذي أهداه أردوغان إلى حلفائه في حلف شمال الأطلسي هو مسدس دوار بست طلقات طُوِّر في الأصل في تسعينيات القرن العشرين من قبل شركة تصنيع في مدينة غوموشهانِه أُغلقت لاحقا، قبل أن يُضم ما تبقى من مخزونها إلى قائمة منتجات شركة الصناعات العسكرية الحكومية "MKE".
كل مسدس، المنقوش عليه اسم صاحبه والمحفوظ داخل صندوق يحمل العلم التركي وشعار حلف شمال الأطلسي، يقوم في الوقت نفسه بوظيفة ترويجية: فتركيا أصبحت في السنوات الأخيرة ثالث أكبر مصدّر للأسلحة الخفيفة في العالم، وتسعى إلى توسيع هذه الصناعة أكثر.
وذكرت وسائل الإعلام التركية أن أردوغان أرفق المسدس في أنقرة بهدية ثانية: نسخة موقعة من سيرته الذاتية باللغة الإنجليزية "The Politics of Courage: Erdoğan and the Rise of Türkiye"، إضافة إلى رسالة شخصية وقلم حبر.
رئاسة الجمهورية التركية عبر دائرة الاتصالات أكدت منذ ذلك الحين حصول الإهداء، لكنها لم تقدم أي إيضاحات أخرى حتى الآن.
كولت كان السبّاق
تقديم الأسلحة النارية للأصدقاء والحلفاء يعد نسخة صناعية حديثة من عادة منح السيوف الاحتفالية، المنتشرة قديما بين أرستقراطيات أوروبا.
كان الملوك الفرنسيون يمنحون سيوفا احتفالية منقوشا عليها عبارة "Ex Dono Regis" "مُهدى من الملك" بوصفها أوسمة تُمنح في ساحات القتال، بما في ذلك للضباط الأجانب الحلفاء خلال حرب الاستقلال الأمريكية.
في خمسينيات القرن التاسع عشر، عندما سافر صموئيل كولت عبر أوروبا والإمبراطورية العثمانية، قدّم بنفسه مسدسا دوارا مطعّما بالذهب ومنقوشا خصيصا إلى السلطان العثماني عبد المجيد الأول.
وبعد أن أشار كولت بوضوح إلى السلطان بأن الروس يشترون بالفعل مسدساته، طلب عبد المجيد شراء خمسة آلاف قطعة.
استخدم كولت العرض التسويقي نفسه مع الروس قبل ذلك بأشهر، مقدما مسدسات مطعّمة بالذهب وتحمل زخارف أمريكية وطنية إلى القيصر نيكولاس الأول في أواخر عام 1854، في خضم حرب القرم. ومن الدلالات أن شركات السلاح الأمريكية كانت تزوّد الطرفين في ذلك النزاع.
سار منافس كولت، أوليفر وينشستر، على النهج نفسه ولكن في الداخل الأمريكي. إذ طلب تصنيع بندقية "Henry" مزوّدة بحليات ذهبية ومنقوشة، وقدمها بنفسه إلى الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن، في محاولة واضحة لكسب ود الإدارة للحصول على عقود تزويدها ببنادق الحرب.
بعد عقود، قدّم الرئيس الأميركي المستقبلي ثيودور روزفلت – الذي كان من هواة السلاح وجامعيه – بندقية وينشستر مطلية بالذهب من طراز 1895 إلى ليونارد وود، الحاكم العسكري الأمريكي لكوبا، منقوشا عليها التاريخ واسمه الشخصي.
على مرّ السنوات، تلقى رؤساء الولايات المتحدة الحاليون ومسؤولون آخرون أسلحة نارية كهدية من المواطنين وجماعات المحاربين القدامى والشركات المصنعة.
في عام 1870، أُهدي إلى يوليسيس إس غرانت مسدس "Smith & Wesson Model No. واحد ونصف"، بينما تلقى غروفر كليفلاند بندقية "Colt" غير معتادة من عيار ثمانية، صُنعت خصيصا له وطُعِّمت بالذهب مع نقش اسمه على واقي الزناد.
حصل جون إف كينيدي على مسدس "Colt Single Action Army" منقوش عليه الختم الرئاسي والحروف "JFK"، وحُدد رقمه التسلسلي على "PT109" نسبة إلى زورق الدوريات الذي قاده في الحرب العالمية الثانية.
وتلقى هاري ترومان عدة قطع سلاح فريدة خلال رئاسته، من بينها مسدس "1911" مزخرف ومسدس "Officer's Model Colt .22" قدّمه له شخصيا رئيس شركة التصنيع آنذاك.
وبعد توليه الرئاسة، تلقى روزفلت نفسه بندقية مزدوجة الطلقات من عيار .450-500 من مستورد الأسلحة فريدريك أدولف، ويبدو أنها قُدمت إليه في محاولة لجذب الانتباه إلى نشاط أدولف التجاري في مجال السلاح.
بنادق صيد لإيزنهاور
هذا التقليد لم يندثر مع مرور الزمن. ففي عام 1959، وصل نيكيتا خروتشوف إلى واشنطن في أول زيارة يقوم بها رئيس وزراء سوفيتي شيوعي إلى الأراضي الأمريكية، واختار بنفسه زوجا من بنادق الصيد المزخرفة بشكل مبالغ فيه لتكون هدية إلى الرئيس دوايت آيزنهاور ووزير الدفاع نيل ماكيلروي.
هذه البنادق، المصنَّعة في مصانع الأسلحة بمدينة إيجيفسك والمزدانة بمشاهد صيد محفورة يدويا بالذهب والفضة، مرت عبر الجمارك من دون أي مشكلة – في قلب الحرب الباردة.
ومؤخرا جدا في عام 2019، قدّم رئيس الوزراء التشيكي أندريه بابيش مسدس "CZ 75" مطليّا بالذهب ومن إنتاج محلي محدود إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منقوشا عليه سنة مولده.
"نحن فخورون بأن منتجنا اختير هدية رسمية من جمهورية التشيك إلى الرئيس الأمريكي"، كتبت شركة "Česká zbrojovka" على "إنستغرام" مباشرة بعد لقاء الرجلين.
في بعض الأحيان، تتسبب هدايا من هذا النوع في حادثة بالفعل: ففي ديسمبر 2022، عاد قائد الشرطة البولندية ياروسواف شيمتشيك من أوكرانيا حاملا معه قاذفة قنابل مضادة للدبابات تلقاها هناك كهدية.
انفجر الجهاز في مكتبه، ما تسبب في إصابته بجروح طفيفة وألحق أضرارا كبيرة بمقر قيادة الشرطة في وارسو.
وتظل تقاليد إهداء السيوف حية أيضا حتى اليوم: ففي مارس 2025، منح الملك تشارلز الثالث سيفا يحمل رمزه الملكي إلى حامل الصولجان الأسود في كندا خلال مراسم في قصر باكنغهام، بوصفه رمزا للسيادة الكندية في ظل تهديدات ترامب بالضم.
"سنُهدي المزيد"
قال المتحدث باسم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إنها "عبّرت عن شكرها" لأردوغان على الهدية، مضيفا أن المسدس سيُخرج من الخدمة ويُتبرع به إلى متحف عسكري.
وأوضحت مكتب رئيس الوزراء في لوكسمبورغ لوك فريدن أن المسدس سيُحفظ مع بقية "الهدايا الدبلوماسية"، لكنه سيُجعل أولا "غير صالح للاستخدام بشكل لا رجعة فيه".
أما المسدس الذي قُدم إلى الرئيس البولندي كارول نافروتسكي فوصل هو الآخر بأمان، لكن مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة وبقاء حادثة سابقة عالقة في أذهان الجميع.
"من المؤكد أن أحدا لن يطلق منه النار"، قال أحد مساعدي نافروتسكي لإحدى الإذاعات المحلية.
وعلّق الرئيس الكرواتي زوران ميلانوفيتش بسخرية يوم الجمعة على أن أردوغان "وزّع علينا أسلحة pew-pews" خلال القمة، قبل أن يتفاخر قائلا: "أنا أطلق النار من سلاح مختلف".
لم تُدلِ رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني بأي تعليق على الهدية. ونقلت مصادر حكومية في روما لوسائل الإعلام الإيطالية أن السلاح سلِّم في أنقرة إلى "عناصر مخوّلة بالتعامل مع الأسلحة"، وأنه سيسجل ويُحفظ في "قصر كييجي" وفقا "للإجراءات المعتادة الخاصة بكل الهدايا التي يتلقاها رئيس الوزراء".
قال شيفكي ياسين سونَر، وهو من هواة الأسلحة في تركيا ويدير قناة شهيرة على "يوتيوب" مخصصة للعبة "airsoft"، لوسائل الإعلام المحلية إن ما حدث "في الواقع عادة، وتقاليد تركية قديمة".
وأضاف موضحا: "هذا المسدس من نوع الدوّار، عندما تنظر إليه بصورة عامة، هو مسدس يعكس جودة القيادة. وعند النظر إلى الخلف، نكتشف أنه واحد من المسدسات الأيقونية التي استخدمها كثير من القادة السابقين وأشخاص يحملون صفات القيادة في الأفلام أيضا".
وتابع سونَر قائلا: "يجب التأكيد أيضا على أن هذه المسدسات المقدمة إلى القادة تُصنَّع بالكامل في تركيا... نحن فخورون وسعداء باسم بلدنا، وإن شاء الله سنهدي المزيد".