حددت إسرائيل موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة في 27 أكتوبر، في استحقاق يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره اختباراً لمستقبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو السياسي، بعد نحو عامين من اندلاع الحرب على غزة، وفي وقت يواجه فيه ضغوطاً داخلية متزايدة وتراجعاً في شعبيته.
أعلن الكنيست الإسرائيلي، اليوم الأحد، أن الانتخابات ستُجرى في 27 أكتوبر، وهو آخر موعد يسمح به القانون، فيما ستنتهي ولايته الحالية في 17 يوليو، ما يتيح للحكومة الحالية إكمال ولايتها الممتدة أربع سنوات، لتصبح أول حكومة إسرائيلية تُكمل كامل ولايتها منذ عام 1973، وأول انتخابات تُجرى في موعدها المحدد منذ عام 1988.
وأشار، في بيان، إلى أنه لا حاجة إلى إصدار قانون لحل الكنيست، بعدما تقرر مسبقاً إجراء الانتخابات في موعدها القانوني، مع عدم وجود نية لتقصير الولاية التشريعية.
ويستعد نتنياهو، البالغ من العمر 76 عاماً، لخوض الانتخابات سعياً إلى ولاية جديدة، بعدما أعلن عزمه الترشح والفوز، في معركة قد تكون الأكثر أهمية في مسيرته السياسية، وهو الذي يُعد رئيس الوزراء الذي أمضى أطول مدة في الحكم بتاريخ إسرائيل.
وفي الأسابيع الأخيرة، كثفت حكومته، التي توصف بأنها الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، جهودها لإقرار أكبر عدد ممكن من مشاريع القوانين قبل انتهاء الدورة البرلمانية، في محاولة لتعزيز تماسك الائتلاف الحاكم والدخول إلى الانتخابات من موقع أقوى.
كما أعلن نتنياهو الشهر الماضي أنه يسعى إلى تشكيل "حكومة وطنية واسعة"، لا تقوم على الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار أو على الاعتماد على الأحزاب العربية، في محاولة لإعادة تقديم حملته الانتخابية على أساس الوحدة الوطنية أكثر من الاصطفافات الأيديولوجية.
من ينافس نتنياهو؟
رغم هذه التحركات، تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الإسرائيليين تؤيد إنهاء حكم نتنياهو، بينما يبرز رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت باعتباره أبرز منافسيه.
وأظهر استطلاع أجرته الجامعة العبرية في القدس أن أكثر من 92% من الإسرائيليين يعتقدون أن إيران خرجت منتصرة من الحرب في الشرق الأوسط، فيما تراجعت نسبة تأييد نتنياهو من 40.5% في مطلع مارس إلى 29.4% في يونيو.
كما أثار اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في أواخر فبراير انتقادات داخلية، بعدما أفضى إلى اتفاق بين طهران وواشنطن يرى كثير من الإسرائيليين أنه جاء على حساب مصالح إسرائيل.
ولا تزال تداعيات الإخفاقات الأمنية المرتبطة بهجمات السابع من أكتوبر تؤثر في صورة نتنياهو، إلى جانب استمرار محاكمات الفساد التي يواجهها.
ويحقق حزب "ياشار" الوسطي، الذي يتزعمه غادي آيزنكوت، تقدماً سريعاً في استطلاعات الرأي، بل تصدر أحدها متقدماً على حزب "الليكود".
وشغل آيزنكوت منصب رئيس الأركان بين عامي 2015 و2019، قبل انتقاله إلى العمل السياسي. ويدرس العلوم السياسية، ويُنظر إليه بوصفه خبيراً في شؤون حزب الله. كما يحظى بتعاطف واسع بعد مقتل نجله غال واثنين من أبناء شقيقه خلال الحرب على غزة.
وكان آيزنكوت عضواً في مجلس الحرب الإسرائيلي بين أكتوبر 2023 ويونيو 2024، قبل أن يستقيل، ويُعد من أبرز منتقدي أداء نتنياهو خلال الحرب، رغم أنه أبقى موقفه من تسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني غامضاً.
ويبرز أيضاً رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي عاد إلى المشهد السياسي بعد فترة من الابتعاد، ويعتقد مراقبون أنه قادر على استقطاب ناخبين يمينيين فقدوا ثقتهم بنتنياهو، من دون الانتقال إلى أحزاب الوسط أو اليسار.
وكان بينيت قد أنهى عام 2021 اثني عشر عاماً متواصلة من حكم نتنياهو، بعدما شكّل ائتلافاً ضم أطيافاً سياسية مختلفة، بدعم غير مسبوق من حزب عربي، إلا أن حكومته لم تستمر سوى عام واحد.
كما يبرز زعيم المعارضة يائير لابيد، الذي أسس حزب "يش عتيد"(هناك مستقبل) عام 2012، وشغل مناصب وزارية عدة قبل أن يتولى رئاسة الحكومة لفترة وجيزة عام 2022، في إطار اتفاق لتقاسم السلطة مع بينيت. ويظل لابيد أحد أبرز وجوه المعسكر المناهض لنتنياهو، رغم أن فرصه في الفوز منفرداً برئاسة الحكومة تبدو محدودة، فيما قد يؤدي دوراً محورياً في تشكيل أي ائتلاف حكومي مقبل.
ومن بين الأسماء المطروحة أيضاً وزير الخارجية والدفاع والمالية السابق أفيغدور ليبرمان، الذي كان من أقرب مساعدي نتنياهو، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز منتقديه، ويتبنى مواقف متشددة في الملفات الأمنية، إلى جانب مطالبته المستمرة بإخضاع اليهود المتشددين للخدمة العسكرية.
ملفات قد تحسم نتيجة الانتخابات
إلى جانب تداعيات الحرب، تواجه الحكومة خلافات حادة بشأن تجنيد اليهود المتشددين، بعدما هدد شركاء نتنياهو في الائتلاف بإسقاط الحكومة إذا فُرض التجنيد الإلزامي على اليهود المتشددين، بينما ترى المؤسسة العسكرية وشريحة واسعة من الإسرائيليين أن توسيع نطاق التجنيد أصبح ضرورة بعد سنوات من الحروب التي استنزفت الجيش.
وتشمل القضايا الأخرى التي من المتوقع أن تؤثر في خيارات الناخبين الإصلاحات القضائية التي طرحها نتنياهو قبل اندلاع الحرب على غزة، ومحاكمات الفساد التي يخضع لها، إضافة إلى الغموض الذي يحيط بمستقبل إدارة قطاع غزة بعد الحرب.
ويرى نتنياهو أن المواجهات مع إيران وحزب الله أوجدت واقعاً سياسياً جديداً، معتبراً أن الحكومة التي يأمل تشكيلها بعد الانتخابات ستكون قادرة على استكمال ما وصفه بالطموحات الإقليمية لإسرائيل.
وقال إن "الحكومة الوطنية الواسعة" ستتمكن، بعد إزالة "التهديد الوجودي الإيراني"، من تحقيق توافق داخلي، والتعامل مع ما تبقى من "المحور الإيراني"، وجني ثمار ما وصفه بالانتصارات العسكرية عبر اتفاقات سياسية، من بينها الاتفاق الجاري العمل عليه مع لبنان، فضلاً عن اتفاقات أخرى قال إنها قيد الإعداد.