تأتي هذه التطورات لتزيد من تعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي، في ظل انهيار مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، واتساع دائرة الصراع مع انخراط أطراف جديدة فيه، وإن بدرجات متفاوتة.
زعمت صحيفة "نيويورك تايمز" أن إيران كانت تدرس مهاجمة ميناء بحري أوكراني، رداً على ضربة أوكرانية استهدفت سفينةً إيرانية. إلا أن تحركات دبلوماسية مكثفة في الشرق الأوسط هدّأت الموقف مؤقتاً.
وكان جهاز الأمن الأوكراني قد أعلن، فجر السبت، استهداف سفينتي شحن خاضعتين لعقوبات دولية، مدعياً أنهما استُخدمتا في نقل شحنات عسكرية بين إيران وروسيا عبر بحر قزوين. فيما أكدت الجمهورية الإسلامية مقتل بحار وإصابة آخر جراء الهجوم، مشيرةً إلى استهداف إحدى سفنها، لكنها امتنعت عن الكشف عن اسمها.
غير أن سجلات الملاحة والملكية أظهرت أن السفينتين اللتين حددتهما وكالة "إنترفاكس الأوكرانية" ترفعان العلم الروسي وتديرهما شركتان روسيتان.
وعلى إثر الهجوم، استدعت إيران القائم بالأعمال الأوكراني لديها، فيما قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن هذه الهجمات "تمثل دليلاً على استمرار النهج العدائي وغير العقلاني للنظام الأوكراني" تجاه البلاد، مضيفةً أن "قيادة النظام الأوكراني، إلى جانب داعميه ومحرضيه، ستتحمل مسؤولية التداعيات الناجمة عن هذه المغامرة".
وفي سياق متصل، نقلت الصحيفة عن مصادر إيرانية وغربية أن الاستخبارات توقّعت أن تطلق الجمهورية الإسلامية صاروخاً باليستياً برأس حربي صغير نحو أوكرانيا، في خطوة رمزية تسبّب أضراراً محدودة. في حين رأى مسؤولون آخرون أن الهدف المرجّح هو أحد الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود.
وبرأي الصحيفة، فإن تصعيداً كهذا قد يشكّل خطوة دراماتيكية، كما يعرّض المنطقة لخطر نشوب حرب أوسع، لا سيما في ظل التوتر القائم بين البلدين بسبب تحالف إيران مع روسيا.
ومن جانبه، كتب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني، إبراهيم عزيزي، على حسابه بمنصة "إكس" فجر الاثنين: "أي هجوم على إيران له ثمن، وهذا ما زال قائماً حتى اليوم"، مضيفاً أن "الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان هذا الأمر جيداً. وستُدرك أوكرانيا قريباً على الأرجح أن إيران لن تترك أي إجراءات ضدها تمر دون رد".
أما الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، فقد صرّح، في منشور له على منصة "إكس"، بأن القوات الأوكرانية حققت "نتائج قوية جداً" بفضل ضرباتها بعيدة المدى في بحر قزوين، موضحاً أنها استهدفت سفناً تستخدم في نقل شحنات عسكرية تشمل إيران، بالإضافة إلى سفينة حربية روسية.
واتهم زيلينسكي موسكو بتزويد طهران بصور أقمار صناعية للمنطقة، قائلاً إن هناك "علاقة واضحة" بين هذه الصور والضربات الإيرانية، وأن بلاده ستشارك هذه المعلومات مع شركائها.
ولم تصدر تعليقات مباشرة من المسؤولين الروس بشأن الهجمات التي استهدفت السفينتين في بحر قزوين. إلا أن وزارة الدفاع الروسية أعلنت، يوم الأحد، شن قواتها هجمات على موانئ وسفن أوكرانية، في خطوة بدت وكأنها رد انتقامي.
محادثة لتجنّب التصعيد
وفي وقت لاحق من يوم الثلاثاء، أفادت كييف بأن وزير خارجيتها أجرى اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني، هو الأول من نوعه بين البلدين، أكد خلاله تطلع بلاده إلى تجنُّب "التصعيد".
وقال وزير الخارجية الأوكراني، أندري سيبيغا، في تدوينة على منصة "إكس" إنه أجرى "حديثاً صريحاً" مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، مشيراً إلى أن "الدبلوماسية تقوم على الحوار المباشر، ولو كان شاقاً. وقد أكدت أن غايتنا هي تفادي أي تصعيد لا تدعو إليه ضرورة".
كما أبان سيبيغا أنه شدّد مجدداً لعراقجي على أن "جميع تحركات أوكرانيا تنصبُّ حصراً في إطار الدفاع عن الوطن في مواجهة العدوان الروسي، ولا تستهدف البتّة السفن أو المدنيين"، معتبراً أن روسيا تمثّل "الجذر الأساسي لكافة الحوادث، وتتحمّل التبعات الكاملة عن جميع الاستفزازات والأرواح التي راحت ضحيتها".
أما عراقجي، فكتب بدوره على منصة "إكس" أن سيبيغا أكد له أن الهجوم لم يكن متعمداً، وأن أوكرانيا لا تنشد التصعيد، مضيفاً أن "إيران بدورها لا ترغب في التصعيد". غير أنه شدّد على أن "أي انتهاك يستهدف مواطنينا أو مصالحنا أمر غير مقبول، ويجب جبر الضرر الناتج عنه".
مشهد إقليمي وعالمي معقّد
وتأتي هذه التطورات لتزيد من تعقيدات المشهد الإقليمي والعالمي، في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط انهيار مذكرة التفاهم الموقعة بين واشنطن وطهران، ودخول أطراف جديدة -وإن بمستويات مختلفة- إلى حلبة الصراع.
وكان آخر تصعيد قد تمثّل بمشاركة السعودية، وللمرة الأولى، في ضرب الحشد الشعبي في العراق، بالتعاون مع الولايات المتحدة، وذلك رداً على اتهامات للجماعة الموالية لإيران بقصف منشآت نفطية سعودية، حيث أسفرت الضربات عن مقتل 20 شخصًا على الأقل وإصابة آخرين.