قالت مؤسسة هند رجب إن "التحقيقات الداخلية الإسرائيلية في ممارسات الجنود تشوبها عيوب جوهرية"، مشيرة إلى أن "معظمها ينتهي من دون تحقيق جدي أو ملاحقة أو عقاب".
أعلن الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، فتح تحقيقين جنائيين في ملابسات مقتل الطفلة الفلسطينية هند رجب وأفراد من عائلتها ومسعفَين أُرسلا لإنقاذها في مدينة غزة عام 2024، وفي مقتل 15 مسعفًا وعامل إنقاذ في رفح عام 2025.
وفي المقابل، شكّكت مؤسسة هند رجب في جدّية القرار، معتبرة أن التحقيقات الداخلية الإسرائيلية لا تشكل خطوة حقيقية نحو العدالة، وأنها تأتي في ظل تصاعد الضغوط والتدقيق الدوليين في ممارسات القوات الإسرائيلية.
الجيش يعلن فتح تحقيق في مقتل هند رجب
قال الجيش الإسرائيلي إن قراره جاء بعد مراجعة نتائج فحص أجراه بشأن الحادثة، وفي ضوء ما وصفه بمزاعم عن إخفاقات في تنسيق تحرك سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني، موضحًا أن شعبة التحقيقات الجنائية في الشرطة العسكرية ستتولى التحقيق.
ووفق الرواية التي نشرها الجيش، أطلقت قواته النار على مركبة كانت تقترب منها وتسير في اتجاه مخالف لتعليمات سابقة أُبلغ بها سكان المنطقة، ما أدى إلى مقتل خمسة من ركابها، فيما نجت في البداية هند رجب وابنة خالها ليان حمادة.
وأضاف أن اتصالًا أُجري لاحقًا بجهاز الإنقاذ، وأن تحرك سيارة إسعاف تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني نُسق لإجلاء المصابين، إلا أنه أشار إلى معلومات تفيد بإطلاق قذيفة باتجاه سيارة الإسعاف عند وصولها إلى المكان، ما أدى إلى مقتل المسعفَين اللذين كانا على متنها.
وعُثر على جثمان هند رجب، البالغة خمسة أعوام، داخل المركبة التي اخترقها الرصاص في مدينة غزة، بعد 12 يومًا من اتصالها بالهلال الأحمر الفلسطيني في 29 كانون الثاني/يناير 2024. كما عُثر على جثامين ستة من أفراد عائلتها والمسعفَين اللذين أُرسلا لإنقاذها.
وأثارت القضية غضبًا دوليًا واسعًا، خصوصًا بعد انتشار التسجيل الصوتي لاتصال هند وطلبها النجدة لساعات، فيما أُدرجت التسجيلات الأصلية للمكالمة ضمن أحداث فيلم "صوت هند رجب".
تحقيق جنائي في مقتل مسعفي رفح
وأعلن الجيش الإسرائيلي أيضًا فتح تحقيق جنائي في مقتل 15 فلسطينيًا، بينهم مسعفون وعاملون في المجال الإنساني، بعد إطلاق النار على مركبات إنقاذ في جنوب قطاع غزة في 23 آذار/مارس 2025.
وقال الجيش إن ثلاث حوادث إطلاق نار استهدفت مركبات إنقاذ مختلفة، بينها شاحنة إطفاء وسيارات إسعاف ومركبة تابعة للأمم المتحدة، خلال ما وصفه بكمين نفذته قواته ضد عناصر من حركة حماس.
وأضاف أن 15 فلسطينيًا قُتلوا في الحوادث، بينهم عاملون طبيون ومسعفون، زاعمًا أن ستة من القتلى ينتمون إلى حركة حماس.
وأقر الجيش بأن قواته قررت بعد ذلك "سحق المركبات وتغطية الجثامين بشبكة معدنية"، مشيرًا إلى أن مراجعة النتائج أظهرت أن إطلاق النار يثير اشتباهًا معقولًا بارتكاب مخالفة جنائية، ما استدعى إحالة الحادثة إلى التحقيق.
وكان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" قد أفاد بأن القوات الإسرائيلية قتلت فريقًا من المسعفين الأوليين، قبل أن تستهدف تباعًا فرقًا أخرى للطوارئ والإغاثة كانت تبحث عن زملائها المفقودين.
وضمّ القتلى ثمانية من موظفي الهلال الأحمر الفلسطيني وستة من عناصر الدفاع المدني في غزة وموظفًا في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا". وعُثر على جثامينهم مدفونة قرب مدينة رفح إلى جانب المركبات المحطمة، في موقع وصفته الأمم المتحدة بأنه "مقبرة جماعية".
وجاء القراران ضمن مراجعات أعلنها الجيش بشأن خمس حوادث بارزة وقعت خلال الحرب على غزة، فيما قرر عدم فتح تحقيقات جنائية في ثلاث حوادث أخرى، بينها مقتل موظفين في منظمة "المطبخ المركزي العالمي" ومنظمة "أطباء بلا حدود".
مؤسسة هند رجب: لا ثقة بالتحقيقات الإسرائيلية
من جهتها، قالت مؤسسة هند رجب، ومقرها بروكسل، إنها "لا تثق" بقرار الجيش الإسرائيلي فتح التحقيقين، محذرة من التعامل معهما بوصفهما تحولًا حقيقيًا نحو العدالة.
ورأت المؤسسة أن التحقيقات الداخلية الإسرائيلية في ممارسات الجنود تعاني عيوبًا جوهرية، وأن معظمها ينتهي من دون فحص جدي أو ملاحقة أو عقاب، فيما تقتصر العقوبات في عدد قليل من القضايا على إجراءات مخففة أو إدارية.
واستشهدت المؤسسة بقضية الصحافية الفلسطينية الأميركية شيرين أبو عاقلة، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي أقرّ بعد تحقيق داخلي بوجود "احتمال كبير" بأن تكون قد أُصيبت بنيران قواته، من دون أن يفتح تحقيقًا جنائيًا في مقتلها.
وتساءلت المؤسسة عن أسباب فتح التحقيقين في هذا التوقيت، بعد أكثر من عامين من مقتل هند رجب، وفي ظل العدد الكبير من الحوادث التي وثقتها هيئات دولية ومنظمات حقوقية وقانونية وصحافيون ومحققون مستقلون.
وأشارت إلى أن إسرائيل تقول إنها أحالت أكثر من ألف حادثة تتعلق بشبهات ارتكاب قواتها مخالفات في غزة إلى آلية تقصي الحقائق والتقييم التابعة للجيش، وفتحت 74 تحقيقًا جنائيًا، من دون تقديم كشف علني شامل عن مصير هذه التحقيقات ونتائجها.
كما استندت المؤسسة إلى مراجعة أجرتها منظمة "العمل بشأن العنف المسلح" لـ52 تحقيقًا عسكريًا إسرائيليًا معلنًا بشأن انتهاكات مزعومة في غزة والضفة الغربية، خلصت إلى أن 88 في المئة منها أُغلق من دون إثبات وقوع مخالفات أو بقي قيد المراجعة من دون إعلان نتيجة، بينما انتهى تحقيق واحد فقط بعقوبة سجن.
واعتبرت أن الإعلان عن التحقيقين يأتي وسط تزايد التدقيق الدولي في الحرب على غزة والهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان وسوريا، وأن هدفه الحفاظ على مظهر المساءلة واحتواء الضغوط، لا الوصول إلى محاسبة فعلية.
المؤسسة: قدّمنا أسماء المتهمين إلى "الجنائية الدولية"
وقالت مؤسسة هند رجب إنها حدّدت، بعد تحقيق أجرته ونشرت نتائجه في تشرين الأول/أكتوبر 2025، الوحدة العسكرية والقادة والجنود الذين تحملهم مسؤولية مقتل هند وأفراد عائلتها والمسعفَين.
وذكرت أن قائمتها تضم العقيد بني أهارون، قائد اللواء المدرع 401 وقت الحادثة، والمقدم دانيال إيلا، قائد الكتيبة المدرعة 52، والرائد شون غلاس، قائد سرية "إمبراطورية مصاصي الدماء"، إضافة إلى 22 جنديًا قالت إنها قررت عدم الكشف عن أسمائهم في المرحلة الحالية.
وأضافت أنها قدّمت أسماء هؤلاء والأدلة التي جمعتها بشأن دورهم إلى المحكمة الجنائية الدولية، مؤكدة أنها ستواصل رفع شكاوى جنائية أمام المحاكم والسلطات القضائية الوطنية في أنحاء العالم.
واتهمت المؤسسة إسرائيل بمحاولة استخدام إجراءاتها الداخلية درعًا في وجه الملاحقات الدولية، مؤكدة أنها لن تسمح بأن تتحول التحقيقات العسكرية الإسرائيلية إلى وسيلة تحول دون محاكمة المسؤولين أمام المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية في الخارج.
وقال المدير العام للمؤسسة، دياب أبو جهجه، إن المؤسسة لا تثق بالنظام القضائي الإسرائيلي، واصفًا التحقيقات بأنها "مهزلة تهدف إلى تبييض صفحة المجرمين الذين قتلوا هند رجب وعائلتها وتبرئتهم"، على حد تعبيره.
وأضاف أن المؤسسة تعوّل على المحكمة الجنائية الدولية والسلطات القضائية الوطنية خارج إسرائيل لتحقيق العدالة، مؤكدًا أنها ستواصل مسارها القانوني ولن تنخدع بما وصفه بـ"المناورات".
خلفية القضية
قُتلت هند رجب خلال العملية العسكرية الإسرائيلية في شمال قطاع غزة، بينما كانت برفقة أفراد من عائلتها داخل سيارة حاولت الفرار من مدينة غزة. وبعد تعرض المركبة لإطلاق النار، بقيت هند على قيد الحياة لبعض الوقت وأجرت اتصالًا مطولًا مع الهلال الأحمر الفلسطيني طالبةً إنقاذها.
وأرسل الهلال الأحمر سيارة إسعاف بعد تنسيق تحركها، لكنها تعرضت للقصف، وقُتل المسعفان يوسف الزينو وأحمد المدهون اللذان كانا على متنها. وبعد 12 يومًا، عُثر على جثمان هند وأفراد عائلتها، وعلى حطام سيارة الإسعاف وجثمانَي المسعفَين.
ونفى الجيش الإسرائيلي في البداية وجود قواته بالقرب من موقع الحادثة، قبل أن يقول في مراجعته الأخيرة إن قواته أطلقت النار على المركبة التي كانت تقل هند وعائلتها.
أما حادثة رفح، فوقعت في آذار/مارس 2025، عندما تعرضت مجموعة من مركبات الإسعاف والإنقاذ لإطلاق النار من القوات الإسرائيلية أثناء توجه طواقمها إلى إسعاف مصابين والبحث عن زملاء مفقودين. وعُثر لاحقًا على جثامين الضحايا ومركباتهم مدفونة في الرمال، ما أثار إدانات دولية ومطالب بإجراء تحقيق مستقل.