كان 31 أغسطس/آب 1993 آخر تاريخ نُفّذت فيه عقوبة الإعدام في الجزائر، حين أُعدم عدد من المدانين بالضلوع في التفجير الذي استهدف مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائرية صيف عام 1992.
أمر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بتعديل قانون العقوبات قبل تاريخ 15 سبتمبر/أيلول المقبل، بهدف إعادة العمل بتنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأشخاص المتورطين في إشعال النيران عمداً، وذلك على خلفية موجة الحرائق الأخيرة التي طالت عدداً من ولايات شرق ووسط البلاد وأوقعت خسائر بشرية ومادية.
وجاء القرار خلال اجتماع مجلس الوزراء ترأسه تبون، الأحد 30 أغسطس/آب، بمقر رئاسة الجمهورية، خُصص لبحث التدابير اللازمة لمعالجة تداعيات الحرائق الأخيرة، بحضور مسؤولين عسكريين ومدنيين كبار.
ووجّه تبون وزير العدل، بإعداد تعديل لقانون العقوبات قبل 15 سبتمبر، ينص على إعادة العمل بتنفيذ عقوبة الإعدام بحق المتورطين في إشعال الحرائق عمداً.
كما أمر الرئيس الجزائري بأن تُعرض التعديلات على الحكومة خلال هذا الأسبوع، قبل إحالتها إلى المجلس الشعبي الوطني، الغرفة السفلى للبرلمان.
وشدد تبون على ضرورة تطبيق القانون بحزم، قائلاً إن "من يعتقد أن القانون لن يُطبّق عليه، عليه أن يعلم أن المجتمع والعدالة يحاسبانه".
وكان الرئيس الجزائري قد صرح السبت بأن التحقيقات ستشمل احتمال وجود "أيادٍ إجرامية" وراء الحرائق الواسعة التي اجتاحت مناطق عدة من البلاد مؤخراً، مشدداً على ضرورة الوقوف على أسباب وملابسات اندلاع النيران.
وخلال تفقده عدداً من المصابين في مستشفى الحروق الكبرى بمدينة زرالدة غربي العاصمة الجزائرية، أقرّ تبون بأن سرعة الرياح، التي بلغت نحو 100 كيلومتر في الساعة، أعاقت تدخل طائرات مكافحة الحرائق، لكنه قال إنه من غير المستبعد أن يكون هناك فعل إجرامي وراء ذلك. وأضاف: "ليس من الطبيعي أن تندلع النيران بهذه القوة، وعلى كل حال سنجري التحريات اللازمة".
عقوبة الإعدام في الجزائر
ولا تعني الخطوة استحداث سنّ حكم الإعدام من جديد في التشريع الجزائري، إذ أن العقوبة لم تُلغَ قانونياً ولا تزال منصوصاً عليها بالنسبة إلى عدد من الجرائم، لكن تنفيذ أحكام الإعدام متوقف فعلياً منذ عام 1993.
وكان 31 أغسطس/آب 1993 هو آخر تاريخ نُفّذت فيه عقوبة الإعدام في الجزائر، حين أُعدم عدد من المتهمين المدانين بالضلوع في التفجير الذي استهدف مطار هواري بومدين الدولي في العاصمة الجزائرية صيف عام 1992.
ومنذ ذلك التاريخ، أوقفت البلاد عملياً تنفيذ هذه الأحكام، لكن واصل القضاء إصدار عقوبة الإعدام في قضايا جنائية وإرهابية خطيرة، غير أن هذه القرارات لم تعد تُنفذ، في ظل تجميد فعلي للعقوبة استمر لأكثر من ثلاثة عقود.
ويتمثل توجه السلطات حالياً في تعديل التشريع بما يسمح بتنفيذ الحكم بحق المتورطين في إشعال الحرائق المتعمدة، في ظل اتهامات بوجود شبهة تعمد في اندلاع عدد من النيران الأخيرة وتزامنها.
توقيف متورطين والتحقيق في ملابسات الحرائق
وفي إطار التحقيقات، أمر تبون ولاة المحافظات الجزائرية المتضررة بإحالة جميع المعلومات المتعلقة بالحرائق إلى الأجهزة الأمنية، كاشفاً عن اعتقال عدد من الأشخاص يُشتبه في تورطهم في إشعالها.
وأعرب الرئيس الجزائري عن استغرابه من اندلاع عدة حرائق في الوقت نفسه، مشيراً إلى أن بعضها بدأ في حدود الساعة الواحدة صباحاً وانتشر بسرعة رغم تراجع شدة الرياح.
وقال تبون إنه رغم فداحة الخسائر البشرية والمادية، إلا أن ذلك لن يثني البلاد عن مواجهة الوضع.
وأضاف: "من يعتقد أن الجزائر ستفشل فهو مخطئ، فهي معروفة بتضحياتها، ولا يمكن لأحد أن يُخضعها".
وتأتي هذه التصريحات في وقت تسعى فيه السلطات إلى تحديد أسباب اندلاع النيران والمسؤوليات المرتبطة بها، بالتوازي مع عمليات إخماد الحرائق ومعالجة آثارها على السكان والمناطق المتضررة.
حرائق واسعة
وشهدت البلاد خلال صيف 2026 موجة واسعة ومكثفة من حرائق الغابات، طالت عدداً من الولايات (المحافظات)، ولا سيما المناطق الشرقية والشمالية الساحلية والجبلية.
وامتدت بؤر النيران إلى ولايات عدة، من بينها جيجل وبجاية وسكيكدة وسطيف وميلة وسوق أهراس، فيما وصلت بعض الحرائق إلى مساحات خضراء في أطراف العاصمة الجزائرية، بينها بوزريعة وبراقي.
وبحسب خلّفت الحرائق 12 قتيلاً على الأقل وعشرات المصابين جراء الحروق والاختناق، كما دفعت السلطات إلى إجلاء مئات العائلات، فضلاً عن إجلاء مرضى من بعض المستشفيات والمناطق القريبة من الغابات.
وتزامنت الحرائق مع موجة حر شديدة ورياح جافة ساهمت في تسريع انتشار النيران وتعقيد عمليات السيطرة عليها، خصوصاً في المناطق الجبلية الوعرة.
وفي مواجهة الكارثة، استنفرت السلطات وحدات الحماية المدنية والجيش وفرق الإطفاء الجوي، بما في ذلك الطائرات والمروحيات، للسيطرة على بؤر النيران وحماية القرى والتجمعات السكنية الواقعة بالقرب من المناطق الغابية.
الأكثر تضررًا من الحرائق
وتُعد ولاية جيجل، شمال شرقي الجزائر، من أكثر المناطق تضرراً من موجة الحرائق الأخيرة، إذ اجتاحت النيران مساحات واسعة من المرتفعات والسلاسل الجبلية في عدد من البلديات والقرى، بينها تاكسنة والجمعة بني حبيبي وبرج الطهر، قبل أن تمتد بعض بؤرها نحو المناطق الجبلية المتاخمة لولايتي ميلة وسكيكدة.
وحاصرت النيران عدداً من القرى والمشاتي الجبلية، ما دفع السلطات إلى تنفيذ عمليات إجلاء عاجلة للسكان ونقلهم إلى أماكن آمنة، في وقت خلفت فيه الحرائق خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، وشُيّع عدد من الضحايا في مراسم دفن جماعية بالمنطقة.
واستنفرت السلطات وحدات الحماية المدنية والجيش، إلى جانب الطائرات والمروحيات المخصصة للإطفاء، لمحاولة السيطرة على جبهات النيران في التضاريس الجبلية الوعرة وحماية التجمعات السكنية القريبة من مناطق الغابات.
وأظهرت صور جوية وفضائية حجم الأضرار التي لحقت بالمنطقة، إذ تحولت مساحات واسعة من الغطاء النباتي في جيجل إلى أراضٍ متفحمة، فيما غطت سحب الدخان الكثيفة أجزاء من القمم والمرتفعات الجبلية.
كما أجرى رئيس الوزراء الجزائري وعدد من المسؤولين زيارات جوّية وميدانية للمناطق المتضررة، لمعاينة حجم الأضرار ومتابعة عمليات الإغاثة والتكفل بالسكان.
تعويض كامل للمتضررين
وبالتوازي مع الإجراءات الأمنية والقضائية، أعلن تبون اتخاذ تدابير لتعويض السكان الذين تضرروا من الحرائق.
وأمر بتشكيل لجان تتولى عمليات الإحصاء والحصر والمعاينة، بهدف تحديد حجم الأضرار والخسائر ومتابعة عملية تقييمها.
وأوضح أن وزارة المالية تعمل على استكمال التفاصيل المتعلقة بآلية التعويضات، متعهداً بتعويض الضحايا عن جميع ما فقدوه خلال الحرائق، بغض النظر عن طبيعة تلك الخسائر.
إعادة إسكان المتضررين وإصلاح الخدمات
ووجّه الرئيس الجزائري وزير السكن والعمران والمدينة والتهيئة العمرانية باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة، بالتنسيق مع الولاة، للشروع فوراً في إعادة إسكان السكان الذين تضررت منازلهم.
كما أمر تبون بتشكيل فريق عمل من الخبراء لإجراء دراسات حول معايير بناء المساكن في المناطق الحرجية، بهدف تعزيز حماية الأهالي من مخاطر الحرائق مستقبلاً، ولا سيما في المساحات القريبة من الغابات.
وفي ما يتعلق بالخدمات الأساسية، أكد الرئيس أن إصلاح شبكات مياه الشرب والغاز والكهرباء، إضافة إلى شبكات الاتصالات، سيتم استكماله في موعد أقصاه السبت المقبل، بما يسمح للسكان بالعودة إلى منازلهم في ظروف آمنة ومريحة.
وتأتي هذه الإجراءات في أعقاب حرائق واسعة ضربت عدداً من الولايات في شرق ووسط الجزائر، مخلفة خسائر بشرية ومادية، ودافعة السلطات إلى الجمع بين إجراءات الإغاثة والتعويض وإعادة الإعمار من جهة، وتشديد الإجراءات القانونية والأمنية ضد المتورطين في إشعال الحرائق عمداً من جهة أخرى.
ومن المرتقب أن تُعرض التعديلات الخاصة بتشديد العقوبة على الحكومة خلال الأسبوع الجاري، على أن تُحال لاحقاً إلى المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) لاستكمال المسار التشريعي قبل الموعد الذي حدده الرئيس في 15 سبتمبر/أيلول.