تفاقمت الأزمة مع دخول فصل الصيف. ففي أغسطس أظهر مسح للأمم المتحدة أن 90% من سكان القطاع يواجهون اضطرابات متكررة في الوصول إلى مياه آمنة ونظيفة وموثوقة. وسجلت مدينة غزة الوضع الأصعب، إذ صُنّفت 92% من الأسر التي شملها المسح ضمن مستويات متوسطة أو مرتفعة من انعدام الأمن المائي.
غزة ورحلة البحث عن قطرة ماء.. معاناة لا تنتهي وقد يدفع المرء حياته ثمنا لها.
محمد عوض لا يقول إن مياه الشرب لا تصل إلى مخيم النزوح الذي يعيش فيه. المشكلة بالنسبة إليه تبدأ بعد وصولها.
تمر شاحنات المياه ثلاثة أيام في الأسبوع، السبت والاثنين والأربعاء. وقد تكون الكمية التي تصل في يوم التوزيع كافية نسبياً، لكنه لا يملك خزاناً أو برميلاً يحتفظ فيه بحصة أسرته حتى الموعد التالي.
يقول عوض، النازح من شرق مدينة غزة: "لو عندي برميل بتكفيني، بس ما فيش برميل وما فيش قِرب، كل اللي عندي قربتين".
ما يعيشه هذا الغزاوي يتكرر لدى آلاف الأسر. ففي نهاية يوليو، كان نحو ثلاثة أرباع سكان القطاع يعتمدون على الصهاريج للحصول على مياه الشرب، بينما تقول الأمم المتحدة إن 90% من الأهالي يواجهون انقطاعات متكررة وغير متوقعة في الوصول إلى مياه شرب آمنة وموثوقة.
تقييم لقطاع المياه والصرف الصحي التابع للأمم المتحدة، أُجري بين نهاية مارس وبداية أبريل 2026، وجد أن 63% من الأسر التي شملها المسح تحصل على أقل من ستة لترات من مياه الشرب للفرد يومياً. كما أشار التقرير إلى أن نقص خزانات جمع المياه وحفظها يمثل أحد العوائق الأساسية أمام الأسر.
وتفاقمت الأزمة مع دخول فصل الصيف. ففي أغسطس أظهر مسح أممي آخر أن 90% من سكان القطاع يواجهون اضطرابات متكررة في الوصول إلى مياه آمنة ونظيفة وموثوقة. وسجلت مدينة غزة الوضع الأصعب، إذ صُنفت 92% من الأسر التي شملها المسح ضمن مستويات متوسطة أو مرتفعة من انعدام الأمن المائي.
أزمة سبقت الحرب وتفاقمت خلالها
قبل أكتوبر 2023، لم يكن من السهل الوصول لمياه الشرب في غزة. فقبل أشهر من اندلاع الحرب، قالت اليونيسف إن 96% من المياه المستخرجة من الخزان الجوفي الساحلي، المصدر الطبيعي الرئيسي للمياه في القطاع، غير صالحة للاستخدام البشري. ومع ارتفاع الملوحة والتلوث، اعتمدت غالبية العائلات على شراء مياه محلاة من محطات وبائعين خواص.
في عام 2022، بلغت حجم استخراج المياه من الخزان الساحلي نحو 189.4 مليون متر مكعب، أي أكثر من ثلاثة أمثال كمية التغذية السنوية المستدامة المقدرة بين 50 و60 مليون متر مكعب. وأدى الضخ المفرط إلى تسلل مياه البحر إلى الخزان وتدهور نوعيته، فيما لم تتجاوز كمية مياه الشرب المحلاة المسجلة في ذلك العام 9.6 ملايين متر مكعب.
لهذا، أصبحت التحلية قبل الحرب جزءاً أساسياً من منظومة مياه الشرب في القطاع. وفي يونيو 2023، أنهت اليونيسف والاتحاد الأوروبي وسلطة المياه الفلسطينية أشغال توسعة محطة لتحلية مياه البحر جنوب غزة، وكان من المتوقع أن يستفيد من خدماتها نحو 250 ألف شخص.
ثم جاءت الحرب وضربت هذه المنظومة الهشة من أكثر من جهة. تضررت الآبار وشبكات النقل وخطوط الكهرباء والمنشآت المرتبطة بإنتاج المياه. وبحلول منتصف 2026، قالت اليونيسف إن ما يقارب 90% من منشآت المياه والصرف الصحي في غزة تعرض للضرر أو التدمير.
ومع تراجع قدرة الشبكات، أصبحت محطات التحلية الصغيرة وشاحنات نقل المياه الطريق الأساسية للحصول على مياه الشرب بالنسبة إلى كثير من السكان.
محمد عزيز، نزح إلى دير البلح من حي الزيتون في مدينة غزة. ينتظر هو الآخر أيام السبت والاثنين والأربعاء للحصول على قطرة ماء. يقول هذا الفلسطيني: "بنقعد من الأربعاء للسبت مفيش مياه".
قبل الحرب، كانت لديه قدرة أكبر بكثير على تخزين المياه في منزله. أما الآن فيعتمد على عدد محدود من العبوات.
وحتى موعد وصول الشاحنة التالية، عليه أن يجعل ما يحصل عليه يكفي احتياجاته، لكن ذلك غير ممكن.
"بتلبيش، بتلبيش إطلاقاً"، يقول محمد عن الكمية المتاحة.
في نهاية يوليو الماضي، كان 65 شريكاً في قطاع المياه ينقلون نحو 20,850 متراً مكعباً من مياه الشرب يومياً إلى 2,634 نقطة تجميع في أنحاء القطاع.
لكن وصول الشاحنة إلى الحي لا يعني أن كل أسرة تستطيع الاحتفاظ بما تحتاجه.
رسمية أبو دقن نازحة من جنوب القطاع تعيش مع أسرة من عشرة أفراد، ولا تملك سوى برميل صغير إضافة إلى ثلاث قرب للمياه.
"ثلاث قرب ما بيكفوا لعشر أنفار"، تقول، مضيفة أنها تضطر أحياناً إلى البحث عن مصدر آخر عندما لا تصل المياه إلى مكان إقامتها أو عندما لا تستطيع تخزين كمية تكفي الأسرة حتى التوزيع التالي.
محطات التحلية تسد جزءاً من الفجوة
مع خروج جانب كبير من البنية الأساسية عن الخدمة، ازدادت أهمية مشاريع التحلية التي تديرها أو تدعمها مؤسسات دولية ومحلية.
خلال النصف الأول من 2026، قالت اليونيسف إنها ساعدت في توفير مياه آمنة لنحو مليون شخص في غزة، عبر نقل هذه المادة الحيوية بالصهاريج وتشغيل محطات التحلية وإصلاح الآبار وخطوط المياه. وكانت 36 محطة تحلية خاصة تدعمها المنظمة تنتج يوميًا نحو 8,630 متراً مكعباً من مياه الشرب لاستخدامها في النقل والتوزيع.
وتقول منظمة أطباء بلا حدود إنها أصبحت ثاني أكبر منتج لمياه الشرب في غزة بعد الجهات المحلية. ففي مارس 2026، أنتجت أو وزعت أكثر من 5.3 ملايين لتر يومياً، وهي كمية قالت المنظمة إنها تكفي الحد الأدنى من احتياجات أكثر من 407 آلاف شخص.
لكن استمرار هذه المنظومة يعتمد على مواد ومعدات يصعب توفيرها. ففي مايو، قالت اليونيسف إن إنتاج تحلية مياه البحر انخفض من نحو 20 ألف متر مكعب يومياً في مارس إلى نحو 16 ألفاً بسبب نقص المواد الكيميائية وقطع الغيار. وفي الفترة نفسها، قالت المنظمة إن ما يصل إلى 70% من السكان لم يتمكنوا من جمع الحد الأدنى البالغ ستة لترات من المياه للفرد يومياً للشرب والطهي.
حتى نقل المياه نفسه لم يكن بمنأى عن الخطر
في 17 أبريل، لقي سائقان يعملان بعقد مع اليونيسف مصرعهما بنيران إسرائيلية خلال عملية لنقل المياه عند نقطة تعبئة المنصورة شمال غزة، وفق المنظمة الأممية.
وكانت النقطة هي منفذ التعبئة العامل لخط “ميكروت” الذي يغذي مدينة غزة. وبعد مقتل السائقين، عُلّق العمل فيها.
وقالت اليونيسف إن المنشأة كانت مرتبطة بتوفير مياه الشرب لنحو 285 ألف شخص، وإن تعويض مليوني لتر يومياً يتطلب الاعتماد على مصادر تحلية أخرى.
وفي مارس، أدى تعطل خط "ميكروت" إلى تراجع حصة الفرد من مياه الشرب إلى أقل من ستة لترات يومياً. وبعد إصلاحه، عاد للعمل جزئياً، لكن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) قال إن نسبة كبيرة من المياه المنتجة كانت تضيع بسبب الأضرار في شبكة التوزيع.
وترى منظمة أطباء بلا حدود أن المشكلة لا تنفصل عن القيود المفروضة على دخول المواد والمعدات اللازمة لتشغيل المنشآت. وفي تقرير صدر في أبريل، اتهمت المنظمة إسرائيل باستخدام المياه ضمن سياسة "عقاب جماعي" بحق الفلسطينيين في غزة، وقالت إن القيود على الوقود والمواد والبنية الأساسية تجعل إنتاج مياه الشرب بالكميات المطلوبة أمرا بالغ الصعوبة.
وتنفي إسرائيل هذه الاتهامات إذ تقول إنها تسمح بدخول المساعدات وتنسق العمليات الإنسانية، وأنها لا تتعمد استهداف منشآت المياه المدنية.
غارة تطال محطة تحلية للمياه بحي الشيخ رضوان
في 24 أغسطس الماضي، وقع قصف إسرائيلي في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة مستهدفا منطقة قرب محطة لتحلية المياه، وأفادت مصادر فلسطينية بأن الضربة ألحقت أضراراً بالمنشأة.
في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي فقال لرويترز إنه استهدف موقعاً يستخدم لتخزين أسلحة، ونفى أن تكون محطة التحلية نفسها هي الهدف المباشر للغارة.
وتأتي الضربة في وقت لا تزال فيه سارية الهدنةُ التي دخلت حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، رغم استمرار غارات وإطلاق نار متقطع وتبادل الاتهامات بخرق الاتفاق.
وتكتسب الحادثة أهميتها من هشاشة منظومة مياه الشرب نفسها. فحيت تخرج عن الخدمة محطة واحدة أو نقطة تعبئة، فإن هذا قد يعني تحويل مسار شاحنات المياه إلى مصدر آخر أو زيادة الضغط على منشآت تعمل أصلاً بقدرات محدودة.
بعد قرابة ثلاثة أعوام من بداية الحرب، لم تعد رحلة مياه الشرب بالنسبة إلى كثير من العائلات تبدأ من صنبور المنزل. فهي تبدأ من محطة تحلية، ثم صهريج، ثم نقطة توزيع، وبعد ذلك تأتي مهمة الأسرة في حمل المياه وتخزينها حتى موعد التوزيع التالي.
بالنسبة إلى محمد عوض، تختصر القرْبة هذه السلسلة كلها. فيقول: "أما لو يتوفر إلنا قراب وبرميل بتكفينا المياه".
وحتى موعد وصول الصهريج التالي، تبقى قربتان فقط هي مخزن الأسرة كله للحصول على قطرة ماء.