سجّل المشاركون الذين بدوا أكبر من أعمارهم الحقيقية من خلال كلامهم مؤشرات مرتبطة بشيخوخة بيولوجية أكثر تقدماً وتراجع القدرات الإدراكية.
توصلت دراسة واسعة النطاق إلى أن طريقة الكلام قد تكشف مؤشرات عن الشيخوخة وصحة الدماغ، إلى جانب تقدير العمر الزمني للإنسان. وطوّر الباحثون نموذجاً يعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحليل الحديث، ورصدوا ارتباطات بين تقديراته والشيخوخة البيولوجية والقدرات الإدراكية والخرف والظروف الاجتماعية التي يمر بها الإنسان خلال حياته.
وأطلق الباحثون على النموذج اسم "الساعة الكلامية"، وهي أداة تحلل مئات الخصائص الصوتية واللغوية، بدلاً من التركيز على سمة واحدة في صوت المتحدث.
وشمل التحليل سرعة الكلام، والتوقفات المؤقتة، ونبرة الصوت، والمحتوى العاطفي، والمفردات، ومدى دقة الكلمات في التعبير عن المعنى المقصود، إلى جانب كمية الكلام وتنظيمه. ودمجت خوارزميات التعلم الآلي هذه الخصائص لتقدير العمر الزمني لكل مشارك.
وبعد ذلك، قارن الباحثون العمر الذي قدّره النموذج بالعمر الحقيقي، وحسبوا ما أطلقوا عليه "فجوة العمر الكلامية". فإذا قدّر النموذج عمر شخص بـ70 عاماً، بينما يبلغ عمره الحقيقي 60 عاماً، تكون هذه الفجوة عشر سنوات.
ويمثل "العمر الكلامي" تقديراً يستخرجه النموذج من طريقة الحديث، ولا يُعدّ قياساً مباشراً للعمر البيولوجي أو تشخيصاً للخرف.
بيانات من خمس دول
نُشرت الدراسة في مجلة "Science Advances"، وشملت بيانات 2928 مشاركاً ناطقاً بالإسبانية من الأرجنتين وتشيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو.
وضمت العينة بالغين أصحاء، إلى جانب أشخاص يعانون من ضعف إدراكي معتدل، ومرض ألزهايمر، وأنواع مختلفة من الخرف الجبهي الصدغي.
وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين قدّر النموذج أعمارهم بأكثر من أعمارهم الفعلية كانت لديهم مؤشرات بيولوجية وسريرية مرتبطة بشيخوخة أكثر تقدماً. لكن هذه النتائج لا تعني أن الدراسة تابعت سرعة الشيخوخة لديهم بمرور الوقت.
صلة بعمر الدماغ
وفقاً للدراسة، ارتبطت "فجوة العمر الكلامية" بتقديرات عمر الدماغ المستخلصة من التصوير العصبي الهيكلي والوظيفي، الذي يتيح دراسة بنية الدماغ ونشاطه.
كما ارتبطت بثلاثة مؤشرات مستقلة تقدّر العمر البيولوجي اعتماداً على مثيلة الحمض النووي، وهي علامات كيميائية على المادة الوراثية تُستخدم لدراسة التغيرات المرتبطة بالشيخوخة.
وارتبط ارتفاع العمر الكلامي مقارنة بالعمر الحقيقي بتراجع الأداء الإدراكي العام والوظائف التنفيذية، مثل التخطيط وتنظيم المهام، إلى جانب القدرات الوظيفية وعدة أشكال من الذاكرة. ولم تقتصر هذه الارتباطات على الاختبارات اللغوية، بل ظهرت أيضاً في اختبارات معرفية لا تعتمد على اللغة.
وسجّل المشاركون الأصحاء أدنى مستويات "فجوة العمر الكلامية"، بينما اتسعت الفجوة لدى المصابين بألزهايمر وأشكال من الخرف الجبهي الصدغي.
وكان المقياس الذي يجمع مختلف الخصائص الكلامية أكثر قدرة على التمييز بين المجموعات السريرية من المقاييس التي تعتمد على السمات الصوتية أو اللغوية كلٍّ على حدة.
ولدى المصابين بألزهايمر، ارتبط ارتفاع العمر الكلامي بمستويات أعلى من بروتين "p-tau217" في بلازما الدم، وهو مؤشر حيوي مرتبط بالمرض. كما ارتبط المقياس بالأداء المعرفي والحالة السريرية للمرضى.
الكلام يحمل أثراً اجتماعياً
لم تقتصر الارتباطات على الدماغ والمؤشرات البيولوجية، إذ ارتبط ارتفاع العمر الكلامي مقارنة بالعمر الحقيقي أيضاً بظروف اجتماعية وبيئية أكثر قسوة، سواء لدى المشاركين الأصحاء أو المصابين بألزهايمر وأشكال أخرى من الخرف.
وشملت العوامل التي درسها الباحثون مستوى التعليم، والوضع المالي، وانعدام الأمن الغذائي، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية، إضافة إلى تجارب الطفولة المبكرة.
وقال أوغستين إيبانيز، أستاذ صحة الدماغ في المعهد العالمي لصحة الدماغ وكلية الطب في كلية ترينيتي بدبلن وكبير الباحثين في الدراسة، إن أصوات البشر تحمل معلومات عن الشيخوخة أكثر مما كان يُعتقد سابقاً، مشيراً إلى أن الكلام قد يجمع إشارات مرتبطة بالعمر والإدراك والدماغ والأنظمة البيولوجية والبيئة الاجتماعية.
إمكانات كبيرة وحدود واضحة
تتميز تقنية تحليل الكلام بإمكانية جمع التسجيلات عن بُعد، وبشكل متكرر وبتكلفة منخفضة، مقارنة بمقاييس أخرى قد تتطلب التصوير بالرنين المغناطيسي أو عينات الدم أو التحاليل الجزيئية والتقييمات السريرية المتخصصة.
لكن الباحثين يؤكدون أن "الساعة الكلامية" ليست اختباراً تشخيصياً معتمداً للخرف حتى الآن. فالدراسة حلّلت بيانات المشاركين في نقطة زمنية واحدة، ولم تتابعهم على مدى سنوات، ولذلك لا تثبت قدرة الأداة على التنبؤ بمن سيصاب مستقبلاً بالتدهور الإدراكي أو الخرف.
ولكي تنتقل التقنية إلى الاستخدام السريري، ستحتاج إلى دراسات تتابع المشاركين لسنوات، واختبارات عبر لغات وثقافات مختلفة، وتجارب تعتمد على محادثات طبيعية وعفوية.
وتكتسب النتائج أهمية إضافية لأن الدراسة شملت خمس دول في أمريكا اللاتينية، وهي منطقة ظل تمثيلها محدوداً في أبحاث الخرف، ما يعزز الحاجة إلى تطوير أدوات لدراسة الشيخوخة وتقييمها تكون متاحة على نطاق أوسع وبتكلفة أقل.