تُعد منظومة "ثاد" من أبرز أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية، وقد صُممت لاعتراض الصواريخ الباليستية وتدميرها في المرحلة الأخيرة من مسارها، سواء داخل الغلاف الجوي للأرض أو خارجه مباشرة.
تواجه الولايات المتحدة أزمة متصاعدة في مخزونات صواريخ الدفاع الجوي والاعتراض الصاروخي، مع تزايد الاستهلاك العسكري وبطء تعويض الذخائر، في وقت تتنافس فيه القيادات الأمريكية حول العالم على الموارد الدفاعية المتاحة.
وكشف تقرير لشبكة "سي بي إس نيوز" (CBS News)، استند إلى معلومات حصلت عليها من مسؤولين أمريكيين مطلعين، أن الجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش الأمريكي آنذاك، حذّر في أواخر ديسمبر/كانون الأول من نقص حاد في ذخائر الدفاع الصاروخي، مشيراً إلى أن العجز قد يستمر خمس سنوات أخرى.
وجاء التحذير ضمن تحليل للمخاطر أُدرج في "خطة إدارة القوات العالمية" للسنة المالية 2027، قبل اندلاع الحرب الأمريكية على إيران بنحو شهرين.
وبحسب المسؤولين الذين تحدثوا إلى الشبكة، فإن تقييم جورج أشار إلى أن مخزونات منظومتي "ثاد" (THAAD) وصواريخ "باتريوت" ستظل عند مستويات منخفضة من الناحية الاستراتيجية حتى عام 2030.
وفي 2 أبريل/نيسان 2026، طلب وزير الدفاع بيت هيغسيث من جورج التنحي والتقاعد فوراً، بينما كانت الحرب مع إيران مستمرة.
استنزاف مستمر للقدرات الدفاعية
وعزا التقييم، وفقاً للمسؤولين الذين نقلت عنهم "سي بي إس نيوز"، تراجع مخزونات الصواريخ الاعتراضية إلى عدة عوامل، من بينها نقل صواريخ "باتريوت" إلى أوكرانيا عقب الغزو الروسي عام 2022، واستهلاك الذخائر في الدفاع عن إسرائيل، إلى جانب تراجع القدرة الإنتاجية للقاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية.
ونقلت الشبكة أن الولايات المتحدة قدمت لأوكرانيا نحو 600 صاروخ اعتراضي من طراز "باتريوت"، لكن ليس جميعها من المخزونات العسكرية الأمريكية المباشرة، فيما جرى توفير بعضها عبر مبادرة المساعدة الأمنية لأوكرانيا، فيما قدمت دول أوروبية صواريخ أخرى.
وفي المقابل، أشارت مصادر أمريكية إلى أن واشنطن لا تزال تمتلك مخزونات كبيرة من بعض الذخائر الهجومية، مثل ذخائر الهجوم المباشر المشترك (JDAM) والقنابل صغيرة القطر، في حين تراجعت مخزونات الذخائر الدفاعية المستخدمة في منظومتي "باتريوت" و"ثاد" إلى مستويات تنطوي على مخاطر استراتيجية.
ولم تكشف "سي بي إس نيوز" عن النسب الدقيقة لمستويات المخزون، مشيرة إلى اعتبارات أمنية.
أرقام حرجة لمخزونات "باتريوت" و"ثاد"
وتُعد منظومة "ثاد" من أبرز أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية، صُممت لاعتراض الصواريخ الباليستية وتدميرها خلال المرحلة النهائية من مسارها، داخل الغلاف الجوي للأرض أو خارجه مباشرة.
ويمتلك الجيش الأمريكي ثماني بطاريات من هذه المنظومة. وتتكون كل بطارية من نحو 90 جندياً وست منصات إطلاق محمولة على شاحنات، تحمل كل منها ثماني حاويات إطلاق. وتتحكم البطارية في 48 صاروخاً اعتراضياً، وفق تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس عام 2025.
أما منظومة "باتريوت"، فتُستخدم لحماية المنشآت العسكرية والقوات والبنية التحتية الحيوية من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المعادية.
وتُعد صواريخ "باك-3" (PAC-3) من أبرز الذخائر المستخدمة فيها، وتعتمد على الاصطدام المباشر لتدمير الأهداف، بما يشمل الصواريخ الباليستية التكتيكية وصواريخ كروز، كما يمكنها اعتراض الطائرات.
وبحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، دخلت الولايات المتحدة عام 2026 وفي مخزونها نحو 2300 صاروخ اعتراضي من طراز "باتريوت". وخلال الحرب مع إيران، استُخدم ما بين 1050 و1430 صاروخاً، وهو ما قد يصل إلى نحو 61% من المخزون السابق للحرب. وكان متوقعاً تسلّم أقل من 500 صاروخ تعويضي خلال السنة المالية 2026.
أما مخزون "ثاد" قبل الحرب، فقُدّر بنحو 355 صاروخاً اعتراضياً، استُخدم منها ما بين 190 و290 صاروخاً، أي ما يصل إلى نحو 82% من المخزون السابق للحرب.
ولم تكن هناك شحنات تعويضية متوقعة خلال السنة المالية 2026، بينما طلبت الولايات المتحدة أكثر من 800 صاروخ من هذا النوع للسنة المالية 2027.
بطء الإنتاج يعرقل تعويض الذخائر
وتشارك شركتا "لوكهيد مارتن" و"آر تي إكس" (RTX)، من خلال وحدة "رايثيون"، في تصنيع هذه المنظومات ومكوناتها الأساسية، وقد أبرمتا اتفاقات تهدف إلى تسريع الإنتاج.
وفي يناير/كانون الثاني، أعلنت "لوكهيد مارتن" خطة لزيادة الطاقة الإنتاجية السنوية لصواريخ "ثاد" من 96 إلى 400 صاروخ، أي إلى أكثر من أربعة أضعاف المستوى السابق تقريباً.
لكن توسيع الإنتاج لا يعني تعويض الذخائر المستهلكة فوراً. وتشير تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن تسليم طلبيات صواريخ "ثاد" يستغرق أربع سنوات وخمسة أشهر، بينما يبلغ متوسط مدة تسليم صواريخ "باك-3" نحو ثلاث سنوات ونصف.
وقال مارك كانسيان، العقيد المتقاعد في مشاة البحرية والمستشار الأول في شؤون الدفاع لدى المركز، إن هذه الذخائر ستكون من بين الأكثر استخداماً في أي مواجهة محتملة مع الصين، ما يجعل الحفاظ على مخزون كافٍ منها تحدياً رئيسياً أمام التخطيط العسكري الأمريكي.
وترتبط الأزمة أيضاً بقرارات دفاعية امتدت لعقود. فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، تراجع تركيز المخططين العسكريين الأمريكيين على احتمال خوض حرب طويلة مع قوة عظمى، واتجهت السياسة الدفاعية إلى تعزيز القدرة على خوض عمليات إقليمية، مع تقليص القدرات الاحتياطية التي تسمح بزيادة الإنتاج سريعاً في أوقات الحرب.
وأوضح كانسيان أن القاعدة الصناعية الدفاعية أصبحت أكثر كفاءة في ظروف السلم، لكنها أقل قدرة على توسيع الإنتاج بسرعة عند ارتفاع الطلب.
تنافس القيادات العسكرية على الموارد
ويعتمد البنتاغون على "خطة إدارة القوات العالمية" (GFMAP) لتوزيع القوات والأسلحة على القيادات القتالية الأمريكية، عادة ضمن تخطيط يمتد من 12 إلى 24 شهراً. غير أن اندلاع الحروب وتغير الظروف الميدانية قد يفرضان إعادة توزيع الموارد بين المناطق، بما يضع القيادات العسكرية أمام منافسة على الأسلحة المتاحة.
وتشرف القيادة المركزية الأمريكية، بقيادة الأدميرال براد كوبر، على العمليات المرتبطة بإيران. وفي الوقت نفسه، قد تحتاج القيادة الأمريكية في أوروبا إلى صواريخ "باتريوت" لحماية مواقع في بولندا، بينما تطلب القيادة المركزية موارد إضافية في الكويت، وتحتفظ قيادة المحيطين الهندي والهادئ باحتياجات دفاعية تحسباً لأي مواجهة محتملة مع الصين.
وفي أبريل/نيسان 2025، أبلغ الأدميرال صامويل بابارو، قائد القيادة الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ، لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ بأن الجيش نقل كتيبة "باتريوت" من نطاق قيادته إلى القيادة المركزية، في ظل العمليات العسكرية ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.
وتوضح هذه الواقعة كيف يمكن للأزمات المتزامنة أن تدفع الجيش الأمريكي إلى نقل منظومات الدفاع بين مناطق العمليات، في وقت تواجه فيه واشنطن صعوبات في تعويض الصواريخ المستهلكة بالسرعة المطلوبة.
تحذيرات من استمرار النقص ورد البنتاغون
وقال مسؤول أمريكي لشبكة "سي بي إس نيوز" إن استعادة مخزونات "باتريوت" و"ثاد" إلى مستويات ديسمبر/كانون الأول 2025، التي كانت منخفضة أصلاً، قد تستغرق حتى عام 2030، حتى إذا لم تستخدم الولايات المتحدة مزيداً من هذه الذخائر في إيران أو في عمليات عسكرية أخرى.
وتعتمد هذه التقديرات على الالتزام بمواعيد الإنتاج المخطط لها، وعدم استهلاك كميات إضافية من الصواريخ في عمليات جديدة. وأشار كانسيان إلى أن أي استخدام إضافي للذخائر قد يؤخر استعادة المخزونات إلى مستوياتها السابقة للحرب.
في المقابل، رفض المتحدث باسم البنتاغون، شون بارنيل، التقارير التي تتحدث عن نقص الذخائر الأمريكية، واصفاً الادعاءات بهذا الشأن بأنها غير صحيحة.
وقال إن الولايات المتحدة تمتلك ما يلزم لتنفيذ ضربات في الوقت والمكان اللذين يختارهما الرئيس، مؤكداً أن القوات الأمريكية تواصل عملياتها مع الاحتفاظ بترسانة جاهزة للدفاع عن القوات والمصالح الأمريكية.