أظهرت دراسة نُشرت عام 2020 أن البالغين الذين يمارسون أنشطة ذهنية منتظمة، كالقراءة، يشهدون تراجعاً إدراكياً أبطأ بكثير.
كشفت دراسة رائدة أجراها باحثون في كلية الصحة العامة بجامعة ييل أن الأشخاص الذين يقرؤون الكتب بانتظام يعيشون في المتوسط 23 شهراً أطول من أولئك الذين لا يقرؤون إطلاقاً، حتى بعد ضبط عوامل مثل التعليم، الدخل، الحالة الصحية الأساسية، الاكتئاب، والقدرة الإدراكية.
وشملت الدراسة 3,635 بالغاً تبلغ أعمارهم 50 عاماً فما فوق، وتتبعت عاداتهم القرائية على مدى 12 عاماً. وخلص الباحثون إلى أن القراءة نفسها ــ وليس المزايا الاجتماعية المرتبطة بها ــ ترتبط ارتباطاً مباشراً بزيادة متوسط العمر.
القراءة كـ"تأمل نشط" يحمي الجسم والعقل
تقول زوي شو، المعالجة النفسية في لوس أنجلوس المتخصصة في دراسة العلاقة بين القراءة والطول العمر: "حين تغمر نفسك في كتاب، تدخل غالباً حالةً شبيهة بالتأمل، وهذه الحالة ذاتها تحمل حمايةً عميقة".
وأشارت إلى أن القراءة "تسحب الجهاز العصبي بلطف نحو التوازن، فهي تشغّل الدماغ بينما تسمح للجسم بالراحة"، ما يسهم في خفض مستويات التوتر أحد أقوى مسرّعات الشيخوخة على المستوى الجزيئي.
الروابط العاطفية في الكتب تُعوّض عن العزلة
يرى ريموند مار، أستاذ علم النفس في جامعة يورك في كندا، أن للقراءة آثاراً اجتماعية عاطفية جوهرية. ويوضح: "الروابط الاجتماعية أمرٌ بالغ الأهمية للشيخوخة الصحية. والقراءة، خصوصاً الروايات، توفّر لنا بديلاً عن التجربة الاجتماعية".
وأضاف أن القارئ "يتدرب ذهنياً على العلاقات والعواطف وفهم وجهات النظر حتى عندما يكون وحيداً جسدياً".
ولفت إلى أن العزلة باتت اليوم عامل خطرٍ جدّي للوفاة المبكرة، يعادل تأثيره تدخين السجائر أو السمنة.
القراءة لا توقف الخرف.. لكنها تُقوّي "الاحتياطي الإدراكي"
وفيما لا تمنع القراءة العمليات البيولوجية للتراجع الإدراكي، فإنها تعزز ما يُعرف بـ"الاحتياطي الإدراكي" أي قدرة الدماغ على التعويض عن الضرر المرتبط بالعمر.
وأظهرت دراسة نُشرت عام 2020 أن البالغين الذين يمارسون أنشطة ذهنية منتظمة، كالقراءة، يشهدون تراجعاً إدراكياً أبطأ بكثير. كما وجدت دراسة أخرى في العام نفسه أن ممارسة القراءة والكتابة طوال الحياة ارتبطت بتراجع أبطأ في الذاكرةحتى لدى من ظهرت في أدمغتهم علامات مرض ألزهايمر.
وتشرح زوي شو أن "القراءة تفعّل شبكات دماغية متعددة في آنٍ واحد ــ اللغة، الانتباه، الذاكرة، والخيال ــ ما يعزز هذا الاحتياطي مع الوقت".
الكتب الصوتية "تحسب".. والدماغ لا يفرّق بين السمع والقراءة
وبخصوص الكتب الصوتية، أكدت دراسة نُشرت في مجلة علم الأعصاب (The Journal of Neuroscience) أن الدماغ يعالج القصص تقريباً بنفس الطريقة سواءً قُرئت أو سُمعت.
وقال ريموند مار: "حتى عند الاستماع إلى كتاب صوتي، نبني نماذج ذهنية للشخصيات وعوالم القصص. وبالتالي، تُفعّل نفس العمليات الذهنية".
ونوّه نيك بتريك، أستاذ مساعد في علم النفس الاجتماعي بجامعة ويسكونسن–ماديسون، إلى أن الجوهر "ليس في تحريك العينين عبر الصفحة، بل في مواجهة الاختلاف والتحدي والجديد».
نصائح عملية: 10 دقائق يومياً تكفي
وأكد الخبراء أن تحقيق هذه الفوائد لا يتطلب تغييرات جذرية. فقراءة 10 إلى 30 دقيقة يومياً كافية لإحداث فرقٍ ملموس مع الوقت.
وقال نيك بتريك: "أفضل نصيحة هي أن تبدأ ببساطة". فيما نصح ريموند مار بـ"تخصيص وقتٍ محددٍ للقراءة، كما تفعل مع أي شيءٍ تقدّره"، وشدّدت زوي شو على أهمية اختيار كتب "تثير اهتمامك حقاً، لا تلك التي تظن أنك يجب أن تقرأها".
وختم مار قائلاً: "ليس أبداً متأخراً لاكتشاف ــ أو إعادة اكتشاف ــ متعة القراءة وفوائدها الدائمة".