في خضم حرب لا تزال تلقي بثقلها على أوكرانيا، أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون طرح فكرة استئناف التواصل مع موسكو، في خطوة توصف بأنها محاولة أوروبية لاستعادة زمام المبادرة السياسية وعدم ترك الملف الأوكراني حكرًا على الولايات المتحدة.
أكد ماكرون، اليوم الثلاثاء، أن أعمالًا تحضيرية تقنية تجري حاليًا بهدف إعادة إطلاق محادثات مباشرة بين أوروبا وروسيا بشأن الحرب في أوكرانيا، مشيرًا إلى أن استئناف الحوار مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "قيد التحضير".
وقال ماكرون، ردًا على سؤال صحافي حول دعوته في ديسمبر إلى استئناف الحوار مع بوتين، إن "الأمر يحتاج إلى تحضير، ولهذا السبب تجري حاليًا مناقشات على المستوى التقني تمهيدًا لهذه الخطوة"، مضيفًا أنه "من المهم أن يستعيد الأوروبيون قنواتهم الخاصة للتواصل، وهذا ما يجري التحضير له".
وأوضح الرئيس الفرنسي أن أي محادثات محتملة مع بوتين يجب أن تكون منسقة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومع "الشركاء الأوروبيين الرئيسيين"، مؤكدًا دور ما يُعرف بـ"تحالف الراغبين"، الذي يضم دولًا متقاربة في دعمها لأوكرانيا. ورغم الحديث عن التحضيرات، لم يحدد ماكرون أي موعد محتمل لانطلاق هذه المحادثات.
من جهة أخرى، شدد على أن روسيا، من خلال مواصلة قصفها للأراضي الأوكرانية، لا تُظهر أي استعداد فعلي للتفاوض على اتفاق سلام. وقال: "أولًا وقبل كل شيء، نحن نواصل اليوم دعم أوكرانيا التي تتعرض للقصف، في البرد، مع استهداف المدنيين والبنية التحتية للطاقة من قبل الروس، وهي هجمات غير مقبولة ولا تعكس أي رغبة حقيقية في التفاوض من أجل السلام".
ويأتي هذا التصريح في وقت لا يزال فيه معظم القادة الأوروبيين يعتمدون نهجًا حذرًا في التعامل مع بوتين على خلفية الحرب، غير أن تقارب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع موسكو أعاد طرح فكرة التواصل خشية أن ينفرد بإدارة هذا الملف المعقد وحده.
وكان ماكرون قد اعتبر في ديسمبر 2025 أنه سيكون "من المفيد مجددًا التحدث مع فلاديمير بوتين"، وهو موقف لقي ترحيبًا من الكرملين. وكان الرئيس الفرنسي قد تعرض لانتقادات واسعة بسبب استمراره في التواصل مع نظيره الروسي لأشهر بعد بدء الهجوم الروسي، قبل أن يوقف قنوات التواصل في وقت لاحق ويتبنى لهجة أكثر تشددًا تجاه موسكو.
وسُجل آخر اتصال هاتفي بين ماكرون وبوتين في يوليو الماضي، وتركز في بدايته على الجهود الدبلوماسية المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني، قبل أن يظهر تباين واضح في مواقف الطرفين بشأن أوكرانيا. كما جرى تواصل سابق بينهما في 11 أيلول/ سبتمبر 2022، تمحور حينها حول ملف محطة زابوريجيا النووية الأوكرانية الواقعة تحت سيطرة القوات الروسية.
روسيا تُصعّد هجماتها
تزامنت تصريحات ماكرون مع نهج تصعيدي اعتمدته روسيا، إذ شنّت ليل الاثنين – الثلاثاء أكبر هجوم بالطائرات المسيّرة والصواريخ على أوكرانيا منذ بداية العام، ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من وسائل التدفئة بالتزامن مع انخفاض حاد في درجات الحرارة.
وأفادت الإدارة العسكرية في كييف بوقوع أضرار في مناطق عدة إثر الهجوم الذي وصفته بالواسع، فيما فعّل الجيش الأوكراني دفاعاته الجوية ودعا عمدة العاصمة السكان إلى البقاء في الملاجئ. من جهته، أعلن وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها أن الهجمات استهدفت بشكل رئيسي محطات الطاقة، ما تسبب في حرمان 1100 مبنى من التدفئة.
وقد اتهم زيلينسكي روسيا بتغليب الهجمات على الدبلوماسية، قائلًا: "في هذه اللحظة، تختار موسكو الإرهاب والتصعيد، ولذلك فإن أقصى درجات الضغط مطلوبة". واعتبر أن "استغلال أبرد أيام الشتاء لترهيب الناس أهم بالنسبة لروسيا من اللجوء إلى الدبلوماسية"، مضيفًا أن "هذا يوضح بجلاء ما نحتاجه من شركائنا وما يمكن أن يساعد فعلًا".
ويأتي ذلك قبيل جولة جديدة من محادثات السلام بين كييف وموسكو وواشنطن، من المقرر عقدها يومي الأربعاء والخميس في الإمارات، بعدما كان من المنتظر عقدها الأحد. وتُعد هذه أول مفاوضات مباشرة معلنة بين موسكو وكييف بشأن الخطة الأمريكية لإنهاء الحرب التي اندلعت في فبراير/شباط 2022.
وكان ترامب قد أشار الأسبوع الماضي إلى أن بوتين وافق، استجابةً لطلبه، على تعليق الهجمات التي تستهدف منشآت الطاقة في أوكرانيا، غير أن زيلينسكي أشار إلى أن القوات الروسية واصلت قصف المواقع والإمدادات اللوجستية الأوكرانية، ملحقة أضرارًا بخطوط نقل الطاقة ومواقع أخرى في أجزاء من منطقتي دنيبروبيتروفسك وزابوريجيا جنوب شرقي البلاد.