في وقت تتعثر فيه المساعي الدولية لوقف الحرب في أوكرانيا، تتصاعد حدة المعارك في قرية ستيبنوهيرسك التي يُنظر إليها بوصفها نقطة فاصلة في مسار النزاع، فقد ترسم نتائجها مصير إقليم زابوريجيا، الذي تسعى موسكو إلى ترسيخ سيطرتها عليه.
في سبتمبر 2022، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضم إقليم زابوريجيا. وبعد أربع سنوات، لا يزال الجيش الروسي يتقدم ببطء، دافعًا أثمانًا بشرية باهظة في محاولة لترسيخ ذلك الإعلان على الأرض.
وفق تقرير ميداني لصحيفة "التايمز" البريطانية، اندفع نحو 20 ألف جندي روسي نحو ستيبنوهيرسك في محاولة لفتح طريق شمالًا باتجاه زابوريجيا الأوكرانية، التي تبعد 14 ميلًا فقط.
تُعد زابوريجيا مركزًا صناعيًا حيويًا يضم أكبر مصنع للصلب لا يزال تحت سيطرة أوكرانيا، ما يجعلها ركيزة أساسية في المجهود الحربي الأوكراني.
أما قرية ستيبنوهيرسك نفسها، فلا تضم سوى تسعة مبانٍ شاهقة، وكانت في السابق بلدة هادئة يسكنها نحو خمسة آلاف شخص، قبل أن تُصبح اليوم خالية تمامًا من المدنيين، إلا أن رمزيتها العسكرية تفوق حجمها الجغرافي.
ينقل التقرير عن "مونغول"، وهو ضابط رفيع يقود مجموعة "فيراتا"، وحدة قوات خاصة تابعة للاستخبارات العسكرية الأوكرانية، قوله إن فقدان ستيبنوهيرسك "سيتيح للعدو تجاوز الحاجز الطبيعي، وتقديم المدفعية والوسائط غير المأهولة، وقصف زابوريجيا على مدار الساعة".
ويضيف أن ذلك "سيؤدي إلى حالة ذعر بين المدنيين وأزمة إنسانية، ويمهد لاحتلال زابوريجيا وخسارة المركز الإقليمي".
12 دقيقة.. متوسط حياة الجندي الروسي
دفعت روسيا، وفق التقرير، بفرقتي مظليين وفرقة مشاة ميكانيكية ولواء "سبيتسناز". في المقابل، يقف في مواجهتهم عناصر القوات الخاصة التابعة للاستخبارات العسكرية الأوكرانية، إلى جانب وحدات مشاة وطائرات مسيّرة ودفاع إقليمي، بأعداد أقل بنحو سبعة أضعاف.
تتولى مجموعة "فيراتا"، التي تعمل مع شركة تكنولوجيا عسكرية أوكرانية وتستخدم الذكاء الاصطناعي، مهام الاستطلاع والهجوم المعاكس. وعندما يتسلل جنود روس إلى الخطوط الأوكرانية، تتدخل فرق الاقتحام التابعة لها لتصفيتهم.
وينقل التقرير عن الضابط "ناين" قوله إن متوسط عمر الجندي الروسي المجند في هذا المحور لا يتجاوز 12 دقيقة، مشيرًا إلى أن تكلفة قتله، من قذائف وطائرات مسيّرة، تتراوح بين خمسة وستة آلاف دولار.
بدوره، أشار "مونغول" إلى أن القوات الأوكرانية استغلت مشكلات الاتصالات الروسية بعد قطع خدمة "ستارلينك" عن الروس، فشنّت هجومًا معاكسًا واستعادت مواقع في بريمورسكي، وقلّصت التقدم الروسي قرب خزان كاخوفكا السابق. ومع ذلك، لا يزال الروس يهاجمون وسط ستيبنوهيرسك.
ويستبعد "مونغول" نجاح محادثات السلام في المدى القريب، قائلًا: "طالما الروس على أرضنا سنقاتل. تدمير القوة البشرية هو ما يخفض قدرات العدو. لا دبابة ولا طائرة مسيّرة تتحرك دون جنود. مهمتنا أولًا قتل الروس".
مسار سياسي متعثر
على وقع هذه المعارك، تتواصل المساعي الدولية لوقف الحرب من دون أن تفضي حتى الآن إلى اتفاق ينهي النزاع الذي دخل عامه الخامس. فقد انتهت الجولة الأخيرة من المفاوضات في جنيف يومي 17 و18 فبراير الحالي من دون إعلان نتائج ملموسة.
وعقب المحادثات، أشار زيلينسكي إلى استمرار الفجوة الكبيرة بين طموحات الطرفين. ومع ذلك، أعرب ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن أمله في تحقيق تقدم خلال أسابيع قد يمهد للقاء ثلاثي يجمع ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
تتمسك كييف بالحصول على ضمانات أمنية قوية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. في المقابل، تعتبر موسكو أن الضمانات يجب أن تكون متبادلة وألا تأتي على حساب أمنها، وتشدد على رفض انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي أو نشر قوات أجنبية على أراضيها، إضافة إلى فرض قيود على الأسلحة التي قد تهدد العمق الروسي.
ميدانيًا، أقرّ زيلينسكي مطلع فبراير بسقوط 55 ألف جندي أوكراني منذ عام 2022، فيما قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن عدد القتلى الأوكرانيين بما بين 100 ألف و140 ألفًا. أما في الجانب الروسي، فأفادت هيئة الإذاعة البريطانية بمقتل أكثر من 186 ألف جندي، بينما رفع المركز نفسه التقدير إلى ما بين 275 ألفًا و325 ألف قتيل، أي ما يقارب ضعف الخسائر الأوكرانية وفق هذه التقديرات.