أعادت مأساة القطارين في إسبانيا هذا الأسبوع النقاش حول سلامة السكك الحديدية إلى الواجهة. فمقتل 43 شخصًا في أداموز وواحد في جليدة يطرح تساؤلات مهمة: هل السفر بالقطار آمن بالفعل؟ لماذا لا يتم ارتداء أحزمة الأمان؟ وهل أنظمة الحماية تعمل بكفاءة؟
يتكرر السؤال كلما وقعت مأساة على خطوط السكك الحديدية: إذا كانت أحزمة الأمان إلزامية في السيارات والطائرات، فلماذا لا يُطلب ارتداؤها في القطارات؟ الجواب ليس بديهيًا، إذ إن استخدام الأحزمة قد يكون في بعض الحالات أكثر خطورة.
وأجرى مجلس معايير وسلامة السكك الحديدية البريطاني تجارب باستخدام الدمى والمحاكاة الحاسوبية، واختبروا أحزمة أمان مزدوجة (كما في الطائرات) وثلاثية (كما في السيارات). وأظهرت النتائج أن ارتداء الأحزمة في القطارات يمكن أن يزيد من الإصابات أثناء التصادم.
وأكدت شركة Renfe، ردًا على استفسارات المستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي، أن عدم وجود أحزمة أمان في القطارات يتماشى مع التوصيات الدولية للسلامة.
وتختلف أنظمة الحماية في القطارات عن السيارات والطائرات. فالمقاعد مصممة لامتصاص وتوزيع قوة التصادم، والفصل بين العناصر الداخلية مثل المقاعد والطاولات وطريقة تشوهها يجعل القطار يعمل كنظام حماية سلبي متكامل. فالقطارات لا تكبح فجأة كما السيارات، ولا تواجه هبوطًا حادًا كما الطائرات في المطبات الهوائية، مما يجعل فيزياء الحادث مختلفة تمامًا.
وأظهرت الاختبارات أن المقاعد المقاومة للصدمات دون أحزمة أمان توفر حماية أفضل للركاب مقارنة بالركاب المثبتين بالأحزمة، إذ يمكن أن يؤدي الاحتجاز بالحزام أثناء حادث قطار إلى زيادة خطر الإصابات بدلاً من تقليلها.
كيف يعمل نظام منع اصطدام القطارات في أديف
يشمل نظام سلامة السكك الحديدية في إسبانيا عدة طبقات من الحماية لضمان سلامة الركاب والمعدات. ويستعرض "قاموس السكك الحديدية" الصادر عن شركة Administrador de Infraestructuras Ferroviarias (Adif) أبرز العناصر الرئيسية لهذا النظام:
- كاشفات المحاور الساخنة: تُركّب على القضبان وتقوم بقياس درجة حرارة عجلات القطارات. عند رصد ارتفاع غير طبيعي في الحرارة، تصدر هذه الكاشفات تحذيرًا فوريًا، إذ يمكن أن تؤدي الحرارة الزائدة إلى تعطل المكابح، أو خروج العجلات عن السكة، أو حتى كسر العجلات. ويعمل هذا النظام كإجراء وقائي يمنع تفاقم المشكلة قبل وقوع حادث محتمل.
- معدات المنع: تشمل هذه الفئة جميع الأجهزة والإشارات المسؤولة عن تنظيم حركة القطارات بين المحطات، وتهدف إلى منع التصادم بين القطارات. وتعتمد على تقسيم المسار إلى كانتونات أو أقسام، بحيث يُسمح بوجود قطار واحد فقط في كل كانتون. وعندما يشغل القطار الأول إحدى هذه المقاطع، لا يُسمح لأي قطار آخر بالدخول إلا بعد إخلاء القطار السابق للمقطع.
- نظام رجل الميت: هو جهاز دواسة يقيس يقظة السائق، فإذا توقف عن الضغط عليها يصدر إنذار فوري. وإذا لم يتفاعل السائق خلال ثلاث ثوانٍ، يتم تفعيل الفرامل الطارئة تلقائيًا لإيقاف القطار. ويمثل هذا النظام الخط الدفاعي الأخير ضد الأخطاء البشرية.
- نظام الإعلان عن الإشارات والكبح الأوتوماتيكي (ASFA): يقوم النظام بتكرار إشارات المرور أمام السائق، ويقوم بتفعيل الفرامل تلقائيًا عند الحاجة. وتسمح التطورات الحديثة بمراقبة السرعة باستمرار عند الإشارات المقيدة، مما يزيد من وعي السائق ويحسن التحكم بالقطار.
- المواصفات الفنية للموافقة على النوع (ETH): تشمل هذه المعايير المتطلبات التي يجب أن تستوفيها جميع القطارات لضمان السلامة، والموثوقية، والتوافق التقني، والحماية البيئية. كما تحدد المواصفات الفنية للحركة (TCS) الشروط الواجب توافرها في البنية التحتية، والمعدات المستخدمة، وعمليات التشغيل لضمان أداء متكامل وآمن.
وأكد مدير المرور في شركة أديف أن قسم أداموز تم فحصه في 7 يناير 2026، ولم يُكتشف أي خلل يمكن أن يكون مرتبطًا بالحادث. ومع ذلك، أشارت وزارة النقل إلى أن القطارات الأخرى التي مرت سابقًا عبر أداموز أظهرت على محاورها علامات مماثلة لتلك التي وُجدت على قطارات الإريو المتضررة.
من جهته، استبعد رئيس شركة رينفي، ألفارو فرنانديز هيريديا، وقوع أي خطأ بشري أو تجاوز السرعة المسموح بها، مشيرًا إلى أن القطارين كانا يسيران ضمن الحدود المقررة. ولا يزال التحقيق مستمرًا، حيث طلب وزير النقل أوسكار بوينتي عدم التكهن بالأسباب حتى الانتهاء من التحليل الفني الكامل.
سلامة القطارات مقارنة بوسائل النقل الأخرى
على الرغم من المآسي الأخيرة، يبقى القطار أحد أكثر وسائل النقل أمانًا، ويأتي بعد الطائرات والحافلات مباشرة من حيث معدل الوفيات. وأظهر تحليل أجراه الباحث إيان سافاج من جامعة نورث ويسترن بيانات وسائل النقل في الولايات المتحدة بين عامي 2000 و2009، حيث بلغ معدل الوفيات في السيارات 7.28 حالة لكل مليار ميل، بينما انخفض إلى 0.43 حالة للقطارات، و0.11 للحافلات و0.07 للطائرات التجارية. أما الدراجات النارية، فتتصدر القائمة بمعدل 212.57 حالة وفاة، مع الإشارة إلى أن حوادث الطرق السريعة تمثل نحو 95% من إجمالي وفيات النقل.
وفي أوروبا، شهدت السكك الحديدية تحسّنًا ملحوظًا على مدى عقود. بين عامي 1990 و2019، انخفض عدد الحوادث المميتة وحالات الخروج عن الطريق بمعدل 5.6% سنويًا. ويقدر الخبير الإحصائي أندرو إيفانز من إمبريال كوليدج لندن معدل الحوادث في 2019 بـ 0.85 حادثًا مميتًا لكل مليار كيلومتر، وهو ما يعكس انخفاضًا بنسبة 78% في مخاطر حوادث القطارات منذ عام 1990. ويبلغ المتوسط السنوي لعدد الحوادث المميتة للقطارات في أوروبا حوالي 3.89 حادثًا سنويًا.
ويسلط أندرو إيفانز الضوء على أن الحوادث ليست متساوية في شدتها؛ فمعظمها يقتصر على عدد قليل من الضحايا، لكن بعض الحوادث يكون عدد الوفيات فيها مرتفعًا بشكل كبير، كما حدث في حادث أداموز الذي أودى بحياة 43 شخصًا.
وفي إسبانيا، أظهر أحدث تقرير للوكالة الحكومية لسلامة السكك الحديدية لعام 2024 انخفاضًا ملحوظًا في عدد الحوادث الكبيرة، حيث بلغ معدل الحوادث 0.27 لكل مليون كيلومتر، وهو أقل من السنوات السابقة، رغم الاتجاه التصاعدي منذ عام 2020. أما الحوادث الجسيمة، فقد بقي معدلها عند 0.09 لكل مليون كيلومتر في عامي 2023 و2024، وهو معدل أقل من معظم الدول الكبرى في الاتحاد الأوروبي.
وسجل المعهد الوطني للإحصاء متوسط 21 حالة وفاة سنويًا في حوادث السكك الحديدية خلال العقد الأخير (2015-2024)، بما في ذلك الحوادث الناتجة عن التهور أو الانتحار أو الإهمال. وكانت الذروة في عام 2013 مع حادث ألفيا في سانتياغو دي كومبوستيلا، وهو الأسوأ في القرن الحالي في إسبانيا، غير أن حادث أداموز في 18 يناير 2026 تجاوزه من حيث عدد الضحايا، وأصبح أسوأ مأساة للسكك الحديدية منذ ذلك الحين. وبعد يومين، أسفرت عاصفة على كاتالونيا عن انهيار جدار في جيليدا، مما تسبب في خروج قطار عن مساره وأسفر عن وفاة شخص واحد وإصابة خمسة آخرين بجروح خطيرة.
ومع ذلك، لم تتمكن أنظمة السلامة في هذه المناسبة من منع وقوع المأساة. وتظل العديد من الأسئلة قائمة: هل فشل التفتيش الفني؟ هل كان هناك خلل هيكلي لم يُكتشف؟ وهل كانت البروتوكولات المعمول بها كافية؟
ومن المؤكد أن الوصول إلى إجابات دقيقة سيتطلب وقتًا طويلًا. وفي هذه الأثناء، يمر نظام السكك الحديدية الإسباني بأصعب محنته منذ أكثر من عقد من الزمان.