عاجل

عاجل

نهاية الغاشيوقراطية.. وفلسفة الثورة في الحراك الجزائري

 محادثة
المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز
حجم النص Aa Aa

يطالعك المقال بأول مصطلح يثير جدة من حيث نحته وصناعته البنيوية، ليقف على دلالات مقصودة، يسعى الباحث من خلالها إلى تفسير الظاهرة الاجتماعية الجزائرية في حقلها السياسي تفسيرا يسترعي الفراغات، ويفكك الأنماط التي تساغ بها البنى السياسية في ممارسة الفعل السياسي. قمت بنحت هذا المصطلح الذي أود أن يحظى بمكانة معجمية في حقل علم الاجتماع السياسي، مصطلح " الغاشيوقراطية" مركب مزجي يحتوي على كلمتين؛ الغاشي/ قراطية، كلمة "قراطية" مأخوذة من الأصل اليوناني (كراتوس، kratia/kratos) والتي تعني حكم*. أما كلمة "الغاشي" فهي لهجة محلية/ idiome local في القطر الجزائري، وبعض المناطق في الحدود الشرقية للمغرب. تدخلتْ في بلورتها مختلف اللغات العربية التركية الفرنسية، فهي تنتمي لمادة "غاشي" بالعربية؛ اسم فاعل بصفة مشبهة من كلمة "غشي"، بمعنى يغشى أي كل ما يؤثر على كائن آخر فيحجبه، ويعزله ويشل قدرته، فيجعله غاشيا. ومأخوذة ربما أيضا من المصطلح التركي بمعنى الغوغاء والازدحام. ولها امتداد ربما فرنسي مأخوذ من مادة "gâchis"؛ تعني التبذير والتضييع والضياع.

يسعى النظام بمخططاته الشمولية إلى عملية تنويم سيكولوجية في تصدير الرداءة، وصناعة مخيال شعبوي يطلق عليه اسم الغاشي، ويؤسس من خلاله توجها سياسيا في إدارة الدولة، ونظام حكمها، يمكن تسميته بالغاشيوقراطية.

نهاية الغاشيوقراطية..

لا يهمنا البحث الانتربولوجي الحفري في جينالوجيا الكلمة، بقدر ما يهمنا نظام الوضع والاستعمال بعد ذلك، فهو إطلاق بورجوازي أوليغارشي/ Oligarch استعلائي على الشعب لنعته بالغاشي؛ ليس للدلالة على حقيقته التي يظهر عليها واقعا؛ بل لتأكيد وترسيخ خموله واصطفافه الانبطاحي، وتسطيحه لاستغبائه، فيظهر في تشكل همجي بلغة نظرية الاستحمار، ليسهل سوقه بعد ذلك بمنطق الراعي والرعية، وإدارته بسيكولوجيا بمنطق احتقاري، شأن كل الممارسات الاستبدادية في سَوق الشعوب وإخضاعها.

لأن وعي الشعب قوة تجعل من المستبد، والنظام الشمولي على أهبة رعب دائمة، وخوف مستبد طول الوقت، فالشعب رعب خفي، وقوة خارقة يخشاها النظام، لذلك يسعى بمخططاته الشمولية إلى عملية تنويم سيكولوجية في تصدير الرداءة، وصناعة مخيال شعبوي يطلق عليه اسم الغاشي، ويؤسس من خلاله توجها سياسيا في إدارة الدولة، ونظام حكمها، يمكن تسميته بالغاشيوقراطية.

ما بعد الاستقلال 1962م، هو دخول عملي في مخرجات الدولة القطرية التي كانت نتاجا غربيا بالأساس - زمن الثورة الفرنسية وعصر الأنوار الذي انفك عن الامبراطورية الإقطاعية الملكية، والتأسيس للجمهورية وحكم المواطنة والديمقراطية- فالدخول في الدولة الوطن، والدولة القطر، كان يشكل التحدي الأول للخروج بدولة ما بعد الاستقلال نحو الخيار الديمقراطي وفق مبادئ ثورة نوفمبر، لكن الدخول في أتون التوجه الاشتراكي والحزب الواحد عزز من قابلية الاستبداد، والسقوط في وهدة الابتعاد عن مقومات الديمقراطية ودولة الحقوق. وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، والانفراج السياسي في مختلف الدول، ودخول الجزائر في حقبة التعددية الحزبية، ففي هذا المنعرج سيتم توظيف مصطلح الغاشيوقراطية بكل حمولته الدلالية بشكل ذريع وضروري من أجل الاستمرارية في سياسة الحزب الواحد، وتوريث العمل السياسي بمظهر أوليغارشي، ونظام عسكري يقف في الظل.

يمكن توصيف هذه المرحلة التعددية إلى تاريخ 22 فبراير/ شباط 2019 م، بأنها مرحلة توظيف الغاشيوقراطية بكل ما تحمله من أدوات من أجل إخضاع الشعب، وجعله في مستوى تقبل الديمقراطية المعلولة، والتي تظهر في شكل الديمقراطية والتعددية، لكنها تقف على واقع لا يمكن سوى تسميته بالغاشيوقراطية.

يؤكد جوستاف لوبون العلاقة النفسية بين السلطة والجمهور، الذي يصطلح عليه بالجمهور النفسي، هذا الأخير التي يتم توجيهه وفق المعادلة النفسية بمختلف الأدوات التي تصنع فيه صفة الخنوع، وقابلية الخضوع**، وقد مارست التعددية منذ انفراجها نفس المهمة، فاعتناق الشعب لحزب أصولي كان تحت ذريعة الانفتاح المؤدلج الذي تم في مختلف الفضاءات، مع شبه انعدام للمشاريع الديمقراطية القائمة على الوعي بمفهوم الدولة الوطن، فكان أول انفتاح تعددي على محورين أحلاهما مر، إما الأصولية والتطرف الذي لا يحمل مشروع الدولة إلا بعقل الخيمة والقبيلة والخلافة الظلامي، وإما بنظام عسكري خَلَّد الطوارئ لعقد من الزمن، ليحمل كل معاني العنف التي شهدتها المرحلة، في هذا السياق العصيب يتم توجيه الشعب نحو الغاشيوقراطية لامتطاء خياراته بالرضا مقابل الأمن، ثم ما بعد 1999م بأدوات الكوطة التي اقتسمها حزب جبهة التحرير، رفقة حزب التجمع الوطني الذي ولد كهلا، ليتم بعد ذلك تأكيد الكعكة البينية، وترسيخ نمطية السَّوْق الشعبوي، بمقومات التزوير، وتزييف الوعي؛ باختراق المعارضة الحزبية وصناعتها وشيطنتها، وتنميطها وفق الطلب والحاجة. ليتم الانتهاء إلى هيكل ممسوخ من نظام الحكم، لا يخرج عن وصف الغاشيوقراطية.

لماذا الثورة..وليس الحراك..وما فلسفتها..

ما حدث في 22 فبراير / شباط 2019 م، يمكن أن نعتبره منعطفا حضاريا في المشوار السياسي في الجزائر، وهو ليس حراك مطالب، بقدر ماهو حلم تتسع دائرة خياراته بتطلع هذا الشعب الذي عانى سنوات من التعتيم والانغلاق والغاشيوقراطية التي قضت على نبض في قوته وأحلامه، هو ليس حراك مطالب؛ لأن الشعب يئس من الوعود، يئس من الروتين السياسي الذي تمرد على نمطيته وتنميطه لكل شيء بعنوان السخافات والبلادات، هو ليس حراك مطالب لأن الشعب الذي ينعته النظام المستبد بالغاشي لن يموت مهما توالت عليه الخيبات، ومهما أسرته السياسات، لن يموت وفي عدم موته، ستأتيك ساعة التمرد، ساعة البحث عن فجر جديد.

لاسيد في هذا الوطن إلا الشعب، الذي يسوق ممارسته السياسية وفق عقد المواطنة ودولة الحقوق لا دونها من أي وصف.

نؤسس لثورة ثانية، فإذا كانت ثورة نوفمبر بسياقاتها ومبادئها ثورة أرض ودفاع عرض، فإن الثورة الثانية هذه ثورة الإنسان والديمقراطية، ثورة الدخول في اللحظة الحضارية، ولا شرعية سوى لدولة المواطنة والحقوق، لقد تنفس هذا النظام على امتداد عقوده وحقباته، بمنطق تبريري، ليرسخ الغاشيوقراطية كخيار يسوق به معادلة الاستبداد والبقاء، فكان مبرر الشرعية الثورية ورق صنع بها نمطية في التفكير، نمطية في التكلس، نمطية في الاستغباء ليشهرها حربة في استيفاء أساليب الكوطة وسوق الشعب نحو هلامية الوطنية.

نؤسس لثورة جديدة تقطع عهدها مع الشرعية الثورية التي بنت سقفا تغذت به المطامع عقودا من الزمن، لطالما كان مبرر الشرعية الثورية يكرس لمفاهيم المواطنة العرجاء، واللاعدالة واللاقانون. حراكنا الثوري هو خطوة نحو الثورة على معطى غاشيوقراطي مهما كانت مظاهره، وأن لاسيد في هذا الوطن إلا الشعب، الذي يسوق ممارسته السياسية وفق عقد المواطنة ودولة الحقوق لا دونها من أي وصف.

رويترز
متظاهرون جزائريون خلال احتجاجات ضد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالجزائررويترز

يمكن أن نحدد بنيوية هذه الثورة بتكوين محوري يرصد مبادئها ومبتغياتها وفق ما أراه، وأتمنى أن ينال قبولا عند نبض الحراك، ولغة المجتمع المتحرر، أو الذي يحاول أن يفعل ذلك. تتمثل هذه المبادئ في المعطيات المطلبية التالية:

  1. حراك 22 فبراير هو ثورة وليس نضال مطالب: لقد ابتدأت شعلة هذا الحراك برفض العهدة الخامسة، وقد انتصر الشعب عن ذلك في مشواره الأول، لكن بغية الشارع الجزائري لا ينتهي سقفها عند ذلك، بل مطالبته الملحة برحيل هذا النظام وكل مخلفاته التي قضت على حلم هذا الوطن الغني، فأصبح خيرة شبابه طعمة للبحر أملا في حياة كريمة.
  2. الاستقلالية وليس الوصاية الخارجية: يناشد الشعب بنخبه، ومشاريعه الحالمة، أن تملك الدولة سيادة القرار. وأن يكون مشوار الدولة القطر، منفكا عن الولاءات الخارجية التي تضمن بقاءه، وتدعم استبداده، وتنهل خيراته بمساومات وأجندات شخصية لا ترتقي إلى الأفق الاستثماري الذي يرنو نحو بناء الوطن، والسعي في مجده ورقيه.
  3. شرعية المواطنة والحقوق وليس الشرعية التاريخية: الشرعية التاريخية فترة زمنية مباركة لها مجدها، وتاريخانيتها التي تحمل قيمة تسجل في أوسمة الشهداء، وكل من نافح عن الأرض والعرض، لكن المعادلة الحضارية التي نعيشها في عصرنا، ينبغي أن تتجاوز المنطق التاريخي، ولا تسجن فيه؛ فالشرعية التي ينبغي أن ننادي بها هي شرعية المواطنة والحقوق. لقد وُظِّفت الغاشيوقراطية، وسلخت من عقود حكمها بعبع الشرعية التاريخية لتبرر لوجودها، وحتميته. لا يمكن أن نرنو إلى أي مخرجات سياسية حقيقية إلا إذا تحررنا من هذه الأقانيم السياسوية. وأن لا سيد لهذا الشعب سوى معاني المواطنة والحقوق، التي يصونها ويقدسها.

  4. الديمقراطية والعلمانية وليس الاستبداد السياسي والكنيس الديني: عندما نفرض الخيار الديمقراطي، فإننا بذلك نبتغي كل مشروع يريد التوجه نحو مسعى تعددي ديمقراطي، أن يقف على محك الديمقراطية ودولة الحقوق، وأن يتم الانتقال الديمقراطي وفق ندوة وطنية تجمع المعارضة بكل أطيافها، لتحمل كل المعطيات الحقيقية والجديرة باحترام خيارات الشعب نحو أفق تعددي. فمنطق الغاشيوقراطية الذي اشتغل عليه النظام السياسي على مدار عقود لم يسمح بوجود هذا الطموح الضروري في لحظتنا الحضارية المهمة. ثم إن ثورتنا تتجاوز ذلك الطموح الأصولي الراديكالي الذي لن يكرر، مهما حاولت أطراف أصولية تبريره وتكريره، نتطلع لدولة علمانية قوامها الحقوق، واحترام الحريات، وتبقى المعتقدات الدينية مكفولة بإرادة مجتمعية في ظل هذه الحريات التي يصونها الدستور ويحميها، نتجاوز هذه الحلقات الجدلية لنتطلع لدولة المواطنة بعيدا عن مقولات الإسلام السياسي وولاية الفقيه، فالدين للمجتمع، والدولة للجميع دون تصنيف عرقي أو ديني، الكل ينصهر في بوتقة الحقوق والمواطنة.

  1. التنمية الاقتصادية وليس دولة الريع: لطالما تشكل الدول الريعية عائقا كبيرا أمام تنميتها، والتصور الغاشيوقراطي هو الذي يجعلها تنخرط في منطق المؤاكلة والمشاربة، بكل مغرياته. فالفساد السياسي لا يترك مجالا أفقيا نحو توسيع دائرة التنمية الاقتصادية وفق خطط استشرافية وواقعية حقيقية، لتكون سياسة الترقيع الاقتصادي مماثلة لمنطق الدولة الغاشيوقراطي، ويكون الريع هو الأساس الذي يواكب وجودها وفق بيروقراطية الإدارة الاقتصادية والاجتماعية. إن فتح الأفق الاستثماري يتطلب إرادة سياسية صلبة يتطلع إليها الحراك الثوري، الذي يتوق للتحرر من هذه التبعية المقيتة؛ حتى في اقتصاد المحروقات. حيث تتسلط الشركات الكبرى في الصناعة البيترولية، ولا يكون لدولة المادة الخام حضور صناعي حقيقي في عمليات التكرير وتقنية ذلك.
رويترز
"من الواجب تعقيم النظام" - متظاهرات من قطاع الصحة في الجزائررويترز

نعيش لحظة حضارية مفصلية في بوادر هذه الثورة وآفاقها، نتطلع من خلال تعميق البحوث والنقاشات إلى ديمقراطية تشاركية وتمثيلية تستجيب لها مختلف أطياف المجتمع ونخبه، لمعالجة المرحلة الخطيرة، والانتقال الديمقراطي؛ المتمثل في الانفكاك عن النظام الحالي الذي لا يملك أي مشروعية دستورية ولا قانونية ولا شعبية، سوى أنه يناور على الفراغ التمثيلي الذي يشهده الحراك الثوري.

إن إقصاء المعارضة التقليدية من النفير الشعبي العام هو أحد أوجه المشكل الذي يواجه الحراك الشعبي، فوجود هذه المعارضة مهم رغم فسادها، لمواجهة فساد الفساد.

تأطير الثورة ضرورة استراتيجية..

تأطير الحراك ضرورة يتحاشاها الكثير، نظرا لانسداد الأفق أمام الخلافات الأيديولوجية، وهذا يعمق الانقسامات، ويخلق ثورة مضادة ضد الثورة، من داخل بيت الثورة. لكن التكتل خارج الأيديولوجيا هو السبيل لترتيب بيت المعارضة. ثم إن إقصاء المعارضة التقليدية من النفير الشعبي العام هو أحد أوجه المشكل الذي يواجه الحراك الشعبي، فوجود هذه المعارضة مهم رغم فسادها، لمواجهة فساد الفساد.

فالسلطة الحالية تقوم بتكتيك التموقع، بأي طريقة، وفي أي فرصة، رغم هشاشة المبادرات وزيفها. لكن لديها مصدر قوة كبير؛ ألا وهو استثمار واختراق هشاشة التمثيل الشعبي المضطرب، فعندما يدعو الإبراهيمي في حواره الصحفي إلى الحوار، ثم يطرح سؤاله الآتي: نحن نريد الحوار؛ لكن نتحاور مع من؟.. هذه اللغة السياسية تومئ، وكأنهم يريدون ويتطلعون إلى النموذج السوري الذي كان حاضرا في تفاصيله الفاشلة.

لذلك أكرر دائما، لابد من التعجيل لمأسسة صوت الشعب، بتمثيل قوي متماسك، يتجاوز نعرات الأيديولوجيا، ليس لنحاورهم، بل لنسحب منهم القوة الوحيدة التي يبررون بها وجودهم.

نواجه سؤال "من يمثل من؟" وهذه إشكالية ليست بالهينة في كل عملية انتقال ديمقراطي، وفي المقالات المقبلة نحاول أن نقدم اقتراحات تساهم في الفعل التشاركي قصد التفاعل مع مختلف المقترحات العلمية والعملية للخروج من نفق هذا السؤال الجوهري الذي يشكل التحدي الأساس في اللحظة الراهنة.

* المعجم الفلسفي، جميل صليبا، 1/569.

**جوستاف لو بون، تر هشام صالح، سيكولوجية الجماهير، بيروت: دار الساقي، 1991، ص 26.

للكاتب

شمس خراسان الكبرى... أوزبكستان

التفاعل العربي الخراساني في نماذج التاريخ الممتد

بقلم: د.إسماعيل نقاز
باحث أكاديمي، علم الاجتماع السياسي

المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر عن وجهة نظر يورونيوز.