عاجل

عاجل

التفاعل العربي الخراساني في نماذج التاريخ الممتد

 محادثة
المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز
حجم النص Aa Aa

د.إسماعيل نقاز باحث أكاديمي( علم الاجتماع السياسي)، باريس

قبل أن تخرج من طشقند.. العاصمة الأوزباكية متوجها إلى بخارى، لابد أن تزور المركب العلمي الذي يحتوي على مصحف الخليفة عثمان الشخصي، مخضبا بدماءه، كان بين يديه يوم قتل..ثم نقله العباسيون إلى عاصمتهم بغداد وقتها..

أخذه المغولي الأمير تيمور إلى عاصمته سمرقند، بعدما احتل بغداد. ثم نقل بعد ذلك في مركب سياحي أثري في طشقند.

وقفة.. مع مصحف عثمان..هناك ادعاءات كثيرة في الموضوع، المشكل هو ليس في المصحف ذاته، لأن المصاحف خمس أو أربع أرسل بها عثمان للأقاليم، إنما الدعوى فيمن يكون مصحف عثمان الشخصي، هنا وقع الكلام...والقضية أصبح لها بعد روحي متعلق بالتبرك في القديم والحديث، ولها بعد سياحي تجاري أيضا، لذلك ذكرت روايات كثيرة عن تنقلات مصحف عثمان الشخصي من العراق والشام والمغرب والأندلس وبلاد خراسان، تبقى مجرد ظنون لا تؤكد حقيقة مطلقة، لكن الأغلب على الظن أنها ضمن المصاحف التي أرسل بها إلى الأقاليم، ويبقى مصحفه الشخصي إما غير موجود، أو واحد من الموجودين لا على التعيين.

بخارى..

المدينة الروحية، نعم إنها المدينة الروحية لأوزباكستان تبعد عن العاصمة طشقند ب500 كلم..وتقع على طريق الحرير الاستراتيجي عبر التاريخ، فقد احتفلت بذكرى تأسيسها الـ 2500، عام 1997، ولا تزال تحتفظ بحوالي 700 أثر تاريخي، وقامت منظمة اليونيسكو، بإدراج المدينة ضمن قائمة التراث العالمي عام 1993. ودخلت بخارى تحت الحكم الإسلامي زمن الأمويين، ثم تلاحقت فيها بعد ذلك الدول السامانية والقراخانية والمغولية والتيمورية والشيبانية، وأصبحت مركزا لإمارة بخارى منذ عام 1533، وحتى احتلالها من قبل الجيش الأحمر السوفيتي عام 1920.

سميت بخارى من بخر، وهو الدير أي صومعة البوذيين فمنذ القديم هي مدينة روحية.. ثم انتقلت بعد الإسلام مع الفتوحات، وتطور الحضارة الإسلامية إلى مدينة روحية بامتياز، حيث تعالت ترانيم التصوف بعيدة سارحة في الأفق بأنوار الطريقة النقشبندية، معقل بهاء الدين النقشبندي، وهي معقل أيضا لابن سينا والبخاري، وأبو حفص الحنفي الشيخ الأول للبخاري...الخ. قبل أن نتحدث عن المشرب الروحي النقشبندي، نتحدث قليلا عن بداية الفتح الإسلامي.

بخارى..أرض الفتح وتطور الحضارة الإسلامية، يتفق أغلب المؤرخين على أن أول من وصل إلى جبال بخارى هو عبيد الله بن زياد والي خراسان سنة 54 هـ / 674 م، ووكانت أرملة «خاتون» وهو لفظ تركي معناه «السيدة» تحكم بخارى آنذاك، وقد أرسلت إلى الترك تستنجد بهم، لكن هزمهم جيش المسلمين، فطلبت الصلح والأمان فصالحها عبيد الله بن زياد على ألف ألف درهم. ولكن الحكم الإسلامي لم يتوطد في تلك المنطقة إلا في خلافة الوليد بن عبد الملك 86- 96 ه، حيث أعاد فتحها )قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان (86- 96 هـ). فتح قتيبة بخارى سنة 90 هـ وكان حاكمها آنذاك «وردان خداه»، الذي استنجد بالترك فأنجدوه، لكن قتيبة انتصر عليهم، وملَّك قتيبة طغشاده بخارى بعد أن أجلى خصومه عنها.

يذكر المؤرخون أن أهل بخارى كانوا يُسْلِمون ثم يرتدون حين يغادرهم العرب، لذلك لجأ قتيبة إلى خطة إسكان العرب مع أهل بخارى، فأمرهم باقتسام البيوت وإسكانهم معهم، لكن أهل بخارى رفضوا ذلك، وتركوا بيوتهم للعرب وبنوا خارج المدينة 700 قصر بقي منها إلى عهد النرشخي قصران أو ثلاثة كانت تسمى قصور المجوس. وبنى قتيبة المسجد الجامع داخل حصن بخارى سنة 94 هـ/712 م.

بهاء الدين النقشبندي...

الأفق الروحي، أول معلم مشهور يصادفك في مدينة بخارى ضريح وخانقاه بهاء الدين النقشبندي، روح بخارى، ومؤسس الطريقة النقشبندية، سمي نقشبند، لأنه نقش الذكر في قلبه، لذلك تتميز طريقته ببخارى بالذكر الخفي، لا يوجد ذكر جماعي، عكس النقشبندية في تركيا تقوم على الذكر الجهري... توفي سنة 791ه.

كان زاهداً يأكل خبز الشعير الذي يَزرعه بنفسه. وكان يلبس جُبّة من الصوف. ومحباً للفقراء؛ يصنع لهم الطعام بيده ويخدمهم ويواسيهم. ولذلك أحبه الجميع واعترفوا بفضله.

بعد إتمام التربية على يد شيخه الأمير كلال، أخذ شاه نقشبند يزور الصالحين ويستفيد من أحوالهم، فحجَّ ثلاث مرات ثم أقام بمرو وبخارى، ثم عاد أخيراً إلى بلدته قصر عارفان ليستقر فيها، فقدم إليه المريدون من كلِّ مكان، وأصبح يبثُّ من العلوم الغيبية والروحية. ربى الشيخ بهاء الدين عشرات الألوف من المريدين، وقد وصل بعضهم درجة عالية في التزكية وتلقي العلوم الروحية، وكان مريدو الأمير كلال إذا اجتمعوا يذكرون بالذكر الجهري، وإذا انفردوا يذكرون بالذكر الخفي، لكن شاه نقشبند اقتصر على الذكر الخفي لأنه أقوى وأولى. فأصبح الذكر الخفي من أهم ما يميز الطريقة النقشبندية عن سواها من الطرق الصوفية.وأصبحت بعد ذلك بخارى مركزا إشعاعيا تنطلق منه الأنوار النقشبندية في التصوف فانتشرت في ربوع آسيا وخارجها إلى تركيا ومصر...الخ.

مدرسة أمير عرب..

الإشعاع العلمي المبكر في بخارى، في بخارى يصادفك مبنى أثري عظيم، لازال ينبض بالعلم والمعارف إلى يومنا، حيث التقيت مع طلبة معهد "أمير عرب" لتدريس العلوم الشرعية والأديان واللغات والثقافات الشرقية ببخارى، حيث يتم التدريس باللغات الروسية والعربية والانجليزية، إضافة للغة الأوزباكية..يلبسون لباسا موحدا، طاقية مطرزة من أربع جهات، مع بدلة كوستيم..والمعهد داخلي يدرس فيه مختلف الطلبة من أوزباكستان وخارجها..يتخرجون منه بدرجة الباكوريوس"ليسانس" أربع سنوات، ليتابعوا دراساتهم العليا بالجامعة في طشقند..رغم أنه مبرمج في العام المقبل أن يضم الدراسات العليا.

يطلق اسم المعهد على مؤسسه الامير سعيد بن عبد الله اليمني، الملقب بمير عرب أو أمير عرب في (1530 – 1536) م وسميت باسمه، تقع المدرسة في بخارى في أوزبكستان حالياً. أغلق الروس المدرسة بعد قيام الثورة البلشفية في روسيا سنة 1917 وأعيد فتحها في سنة 1945. درس في هذه المدرسة كثير من علماء الدين الإسلامي في آسيا الوسطى وروسيا وأفغانستان. يضم المعهد 160 غرفة للتدريس، وهي تقابل مسجد كاليان. وهي تعتبر منذ 1993 أحد موقع التراث العالمي...لا زالوا يعترفون بفضل العرب، وينسبون لهم كل الأفضال والأنوار التي قدموها لهذه البقاع لينتج عنها بعد ذلك ولادتان؛ تطوير العربية وتطور المعارف الدينية، فالعرب قدموا الإسلام، وبلاد خراسان قدمت نتاجه وآثاره. وسنتكلم عن سر حبهم للعرب واهتمامهم بتطوير معارفه ولغته الجديدة لهم.

أهل خراسان..

لماذا يحبون العرب، هنا تتضح المفارقة الانتربولوجية، كما نعيشها نحن العرب في بلداننا بين القبط والامازيغ...الخ، فهناك حساسية عرقية في بلداننا ظاهرة أو خفية لكنها موجودة، لكن في بلاد خراسان اكتشفت العكس تماما، هناك محبة كبيرة للعرب، بمجرد ما تقول أنا عربي، يسلمون عليك ويهتمون بك اهتماما زائدا وينادونك باللغة الاوزباكية" شريف، شريف".

التحليل الانتربولوجي: حاولت أن أبحث في الخلفيات التي ورثها الأوزباكيين وغالب دول الاتحاد السوفياتي المنفصلة والمستقلة، وعموم شعوب خراسان. نحن نعلم أن الوجود الإسلامي كان مبكرا، منذ العهد الأول للخلفاء الراشدين، ثم فتوح قتيبة بن مسلم التي استغرقت معظم ربوع المنطقة، كانت لديهم حساسية زمن الدولة الأموية، حيث وضعوهم في مرتبة الموالي، فكانوا يعيشون عقدة انتقاص سياسيا واجتماعيا، حيث القومية الأموية القرشية، لكن مع العباسيين تغيرت المعادلة، وتوجهت الأمور نحو التدبير الأفقي في الهرم الاجتماعي، فكانوا قوادا في الجيوش العربية، وظهرت قضية الشعوبية والعنصر الأعجمي في بعض المراحل العباسية الممتدة، لكن حصل أنهم اندمجوا في العرب بخراسان، وكانوا يفتخرون بالقيادة العربية، وينظرون إليهم نظرة تشريف، بخلفية النبي العربي والعنصر النبوي في العرب، فكانت هذه الخلفية الانتربولوجية، التي أكدتها الروح الصوفية النقشبندية لدى شعوب المنطقة تحمل جينات رائعة ومشرقة عن العنصر العربي ورثوها إلى اليوم، فهم يرون العرب فاتحين وليسوا محتلين، ويعتبرونهم أهل شرف روحي لأنهم أهدوهم الاسلام الذي يفتخرون به، والعربية التي يحبونها. فكانت هذه المعاني كلها حاضرة في مخيال هذه الشعوب، وهذا المخيال هو عند المثقف وغير المثقف والمحافظ والمتحرر.

الفرق بين الأمازيغ وبلاد خراسان

الأمازيغ مثلا لم تكن لديهم حضارة حقيقية مكتوبة، كانوا قبائل جبلية ولغتهم شفوية، أما هذه البلدان فلها تاريخ مكتوب وعلوم ومعارف(فلسفية، طبية، رياضية، فلكية، أديان...الخ) مكتوبة بلغاتهم قبل الإسلام، عندما دخلهم الإسلام تعلموا العربية وهم من طوروا العربية، فلم يكونوا فقط متعلمين بل هم من علموا العالم العربي والإسلامي العربية، لذلك حافظوا على العربية، لكن لم يتركوا لغاتهم الحية المتحضرة، لذلك كتبوا أيضا المعارف الاسلامية الدينية بلغاتهم، هذا أهم شيء، وأيضا الامازيغ نبغوا في العربية لكن لم يكتبوا المعارف الدينية ولا الحضارية بلغتهم، لأنها لغة شفوية لم تكتب بها العلوم لا تاريخا ولا حاضرا، مع أنها تدخل في النسيج العربي ضمن التعدد اللساني والثقافي الغني، لذلك تشرفوا بالعربية أيما تشريف، ولم تظهر النعرة العرقية إلا مع الحقبة الكولونيالية، واستراتيجيات الاستعمار المتخذة.

...يتبع

للكاتب

شمس خراسان الكبرى... أوزبكستان

د.إسماعيل نقاز باحث أكاديمي( علم الاجتماع السياسي)، باريس

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز