عاجل

عاجل

شمس خراسان الكبرى... أوزبكستان

 محادثة
المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز
حجم النص Aa Aa

د.إسماعيل نقاز باحث أكاديمي (علم الاجتماع السياسي)، باريس

أوزبكستان...

أكبر دولة سكانا في آسيا الوسطى، عاصمتها طشقند، ومن أهم مدنها سمرقند وبخارى وخوارزم. إحدى الجمهوريات الإسلامية ذات الطبيعة الفيدرالية ضمن الجمهوريات السوفياتية السابقة، يفوق عدد سكانها 27 مليون نسمة، استقلت عن الاتحاد السوفياتي عام 1991م، وينص دستورها بأن نظام الدولة علماني ديمقراطي، لغتها الرسمية هي الأوزباكية والروسية، تتكون من مجموعة من العرقيات أغلبها من الأوزباك 68% ثم أعراق بنسب قليلة من التتار والقراقل باك، والطاجيك والقزق. يشكل الإسلام فيها أكثر من 90%، وهو في ازدياد مستمر خاصة بعد الاستقلال عن السوفيات. ينتشر المذهب الحنفي في المنطقة ذو المشرب الصوفي النقشبندي...أما الديانات الأخرى الأورثوذكسية واليهودية فهي بنسب قليلة. يحدها كازاخستان من الشمال ومن الغرب. وتركمانستان من الجنوب وقيرغيزيا وطاجكستان من الشرق. وكلها جمهوريات إسلامية. ...

لماذا شمس خراسان الكبرى..تعني كلمة خراسان باللغة الفارسية، "أرض الشمس المشرقة"، وهي بلاد خراسان الكبرى في التاريخ الإسلامي تشمل أربع دول؛ وهي إيران وأوزباكستان وطاجكستان وتركمانستان، وهناك إقليم خراسان الساسانيين قبل الإسلام، وهو أقل حجما؛ فقد كان يمتد من شرق لوكانيا جرجان، حتى نهر المرغاب.

هي شمس خراسان.. لأنها شعلة التاريخ وعليها تتربع الحضارات قبل وبعد الإسلام خاصة، فقد كانت فجرا للتاريخ الإسلامي، وبعثا جديدا من هناك، قدم أعظم مفكري الإسلام، ومهندسي حضارته؛ فمنهم الإمام البخاري والخوارزمي والبيروني والنسائي والزمخشري والترمذي وابن سينا وبهاء الدين النقشبندي وأبومنصور الماتريدي...الخ.

خلدوا تاريخ المنطقة بعلومهم وإسهاماتهم الحضارية النوعية، ولا زالت أضرحتهم ومقاماتهم تشكل جمال المنطقة الحي، وكأنك تعيش التاريخ في لحظتك، وهنا تتأكد السياحة الدينية والحضارية التاريخية، ويحلو الاستكشاف واستنطاق صدى التاريخ، وأنت تجوب أرض بخارى وسمرقند وطشقند وخوارزم وغيرها...الخ، لتقف في كل زاوية وكأنها تقول لك التاريخ مر من هنا.. وهنا. وسنقف في رحلتنا الاستكشافية على كل تلك المقامات والأضرحة والمدارس والقصور الملكية التي شيدها الملوك...ففي كل أثر قصة، وفي كل قصة تحكي لك سمفونية التاريخ المخلد...فهنا مرت جيوش وأمم وأعراق وقوافل وملل...كلها تخاطبك بصداها الذي تركته بين الجدران والخانات والخانقاه والقصور والأضرحة والمساجد والمدارس، وبين الدروب والساحات على أزقة وفسيفساء العمارة الإسلامية المبدع..

أهم معالم طشقند؛ تمثال الأمير تيمور يتربع في ساحة كبيرة، على حصان حاملا ذراعه نحو الأمام، كرمز لشموخ البطولة والحضارة والانتصار...الأمير تيمور كما يحلو للأوزباكيين أن يسموه، وليس تيمورلنك كما أطلقها عليه الإيرانيون من بلاد فارس، فتيمور تعني " الحديد" و"لنك" تعني أعرجا بالفارسية، وكأنهم يعيرونه لعرجه بعد إصابته في أحد المعارك، نظرا للاحتكاك العسكري الذي كان في زمنه، ولما أوقعه من هزائم على الإيرانيين...

الأمير تيمور..ذاكرة الأوزباك..نعم هو ذاكرتهم وفخرهم، فهو القائد الأوزباكي، ومؤسس السلالة التيمورية التي دامت أكثر من قرن من الزمن 1506م، وكان مؤسسها قائد الفتوح الذي كان شغوفا بالتوسع والفتح على حساب الأقاليم المجاورة في إيران وأذربيجان والهند، ومشارف الصين، وغربا العراق والبصرة حتى مشارف الشام، فقد كان مهووسا بالفتوح والتوسع، ضريحه في سمرقند المعروف بــ "كور أمير"، أي مقبرة الأمير حيث توفى سنة 1405م..

وهنا يستوقفنا نظرٌ في حال التدبير السياسي للأمير تيمور الذي لا يختلف عن الاجتماع السياسي الذي كان قبله وبعده، حيث كانت السلالة السلطانية تقوم على التوسع والغزو كأساس في نظام الامبراطوريات، وهذا في حد ذاته خاضع لمنطق الاجتماع السياسي في تلك العصور، فالتوسع والغزو مورد عظيم من موارد اقتصاد الدولة، رغم أن أوزباكستان تتربع على طريق الحرير، الشريان التجاري الذي يربط امتداد آسيا من الصين إلى آسيا، لكنه جموح الدول نحو السيطرة والاستقواء، فهي بمنطق إما أن تأكل أو تؤكل، إما أن تغزو أو تُغزَ.

يتقاطع التاريخ التيموري مع العرب عندما استقدم جيوشه لاحتلال العراق والبصرة، وحتى مشارف الشام، ولم تتغير عادة غزوه وبطشه. يطالعنا التاريخ عن لقائه بابن خلدون في مشارف الشام، وهو يفاوض أهلها كيف انضم إليه ابن خلدون هاربا من بطش سلطان مصر ابن برقوق، لكنه تفاجأ في الشام بسلطان أعظم وأبطش، إنه سلطان تيمور. وقد سمع عن بطشه الكثير، وعرف تيمور أيضا قيمة ابن خلدون العلمية والتاريخية، فقربه إليه وكانت بينهما سجالات ومجالس ومطالعات للتاريخ في أرض المشرق والمغرب؛ بل إن تيمور طلب من ابن خلدون أن يعد له تاريخ المغرب وعاداتهم ومدنهم، فاستجاب ابن خلدون عن وجل، وفي النهاية طلب ابن خلدون الرجوع إلى مصر، حيث لم يرض ما فعلته جيوش تيمور بالشام من بطش واعتداء، وافقه تيمور وخرج ابن خلدون إلى مصر...

الأمير تيمور حاضر في دولة أوزباكستان وذاكرتها، وقد اهتم كثيرا بالعلم والعمارة والمدارس، بعدما استقدم الحرفيين والرسامين والأطباء والبنائين والنقاشين من أرض العرب بعد غزوهم، فكانت مدينته سمرقند تشع بالفن الإسلامي، والعمارة العجيبة التي استوحاها من التقليد الإسلامي، في كل البنايات من قصور ومدارس ومساجد وأسواق، ونحن نجوب شوارع بخارى وسمرقند تلحظ الفن الإسلامي، وطبيعة النقش والعمارة حاضرة في كل زاوية...

...يتبع

د.إسماعيل نقاز باحث أكاديمي (علم الاجتماع السياسي)، باريس

المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر يورونيوز