عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

مدينة فوجيا الإيطالية.. ساحةُ لأنشطة المافيا ومقرٌ لاستهداف عصاباتها

Access to the comments محادثة
مدينة فوجيا الإيطالية.. ساحةُ لأنشطة المافيا ومقرٌ لاستهداف عصاباتها
حقوق النشر  AP   -   Helmut Moling
حجم النص Aa Aa

سكّانُ مدينة فوجيا في إقليم بوليا جنوب شرق إيطاليا، خرجوا إلى الشوارع في العاشر من شهر كانون الثاني/يناير الجاري، للتنديد بتقصير السلطات المحلية في وضع حدٍّ للجريمة المنظمة التي تطلُّ برأسها بين الحين والآخر في أنحاء متفرقة من المدينة التي لا يتجاوز عدد سكّانها الـ150 ألف نسمة.

الأسابيع الثلاثة الأولى من العام الجاري، شهدت المدينةُ خلالها موجّةَ هجماتٍ بالقنابل وسُجِّلت فيها جريمة قتل، هذا في وقت تجري فيه التحضيرات على قدم وساق لإخضاع أربع مدن بإقليم بوليا، هي؛ مونتي سانت أنجيلو، ماتيناتا، مانفريدونيا وسيريجنولا، "لإدارة استثنائية" على خلفية تصاعد أنشطة المافيا في تلك المدن.

الخامس من شهر شباط/فبراير،موعدٌ ينتظره كثيرون من سكّان فوجيا، ففي هذا التاريخ ستبدأ قوةٌ جديدة لمكافحة المافيا أعمالها، وهذه القوةّ التي تتخذ من المدينة مقراً لها، ستعمل على استهداف التواطؤ الحاصل بين زعامات المافيا، من جهة، وبين المحامين والمتنفيذين في قطاعات الخدمات العامة والأعمال التجارية المحلية، من جهة ثانية.

علاقة شاذّة

نشأت في مدينة فوجيا، علاقة شاذّة بين عاملين في الحقل القانوني وبين المسؤولين عن الأنشطة غير المشروعة التي تديرها المافيا، وذلك وفقاً لتقرير أصدرته مؤخراً مديريةُ مكافحة المافيا في البلاد.

جذور المافيا في إقليم بوليا

تعود جذور المافيا في إقليم بوليا إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين بدأت عصابة "ساكرا كورونا يونيتا"، ( إحدى أكبر وأقوى أربع عصابات مافيا في إيطاليا)، بدأت نشاطها بزعامة بينو روغولي، الذي تمّ اعتقاله في العام 1981 ولا زال يقضي محكوميته خلف القضبان.

وعصابة "ساكرا كورونا يونيتا" تضمٌ في صفوفها نحو ألفي شخص، وتتركز نشاطاتها في تهريب السجائر والمخدرات والأسلحة، كما تنشط في مجال تهريب البشر، غير أنّها لا تتردد في ارتكاب جرائم قتل، إذا ما وجدت ضرورة لذلك، ففي شهر آب/أغسطس من العام 2017، تورطت العصابة في قتل أربعة أشخاص؛ هم: رجل مافيا وشقيقه واثنان من المارّة.

"ظاهرة صاخبة"

ومع بداية العام الجاري، استأنفت عصابات المافيا أعمال العنف في فوجيا، يقول الباحث والخبير في شؤون المافيا، أندريا ليتشيزي، إن "المافيا هي ظاهرة (إجرامية) صاخبة، تسعى إلى لفت الأنظار إلى أعمالها".

وويضيف ليتشيزي موضحاً أن عصابة "ساكرا كورونا يونيتا" تختلف عن كثير من عصابات المافيا الأخرى، كـ: "كيتشيزي"، "كوسا نوسترا"، "ندرانغتي"، "باري" أو "سالينتي"، التي تتجنب أعمال العنف المباشر تحسباً من لفت انتباه الشرطة والحكومة، ما يهدد مصالحها الاقتصادية.

ويتابع الباحث ليتشيزي حديثه بالقول: بخلاف عصابة "باري"، فإن عصابات المافيا في فوجيا لم تخضع لعمليات مصادرة أموال على نطاق واسع، مشيراً إلى أنه في العام 2018، تمّ مصادرة ما يزيد من مليار يورو من الأصول العائدة لمافيا باري في مالطا وجزيرة كورساو جنوب البحر الكاريبي وجزر فيرجن الأميريكية وجمهورية سيشل الأفريقية.

احتيالٌ وأتاوات

يتمحور النشاط الرئيس لمافيا فوجيا في أعمال الابتزاز والاحتيال التي تستهدف الشركات المحلية، ولا تتورع عصابات المدينة عن استخدام الهجمات بالقنابل على الشركات وإحداث الحرائق فيها، كعامل ضغط لإرغامهم على دفع "الأتاوات"، ويبدو أن ثمّة شركات لم يعد يرق لها مؤخراً دفع تلك "الأتاوات" وبالتالي فإن أعمال العنف ارتفعت وتائرها في الأسابيع الأخيرة.

ولعل ما يزيد الطين بلّة في فوجيا، هو أن من الصعب أن تجد سياسيين محليين ليس لديهم ارتباطات مع عصابات المافيا في المدينة، وفق ما يؤكد عالم الاجتماع في كلية الفنون التطبيقية في مدينة باري، ليوناردو بالميسانو.

يقول بالميسانو: "لم يحدث من قبل أن تم وضعُ بلدات كبيرة مثل سيرينولا ومانفريدونيا تحت إدارة استثنائية في العام نفسه"، هذا في وقت تعاني فيها الإدارات المحلية بالإقليم تداعيات الانقسام السياسي الحاصل في البلاد.

ويضيف عالم الاجتماع موضحاً: "إحدى الإدارات تنتمي إلى يمين الوسط، والأخرى إلى يسار الوسط: هذا يخلق إحساسًا بالارتباك لدى المواطن الذي لم يعد يعرف من هو جديرٌ بالثقة، ومن ليس أهلاً لها".

"يستنزفون الإقليم ويفقرونه"

الموقع الجغرافي لفوجيا، لا يمنح العصابات المقيمة إمكانية التوسع باتجاه مدينة باري، بسبب وجود عصابتي "سيرينولا" و"أندريا" فيها، وهاتان العصابتان تعملان معاً بشكل وثيق، بينما تسيطر عصابة "روميتو مانفريدونيا" على المنطقة الساحلية من الإقليم، لذا فإن حظوظ عصابات فوجيا تكاد تكون معدومة لجهة الإنخراط في تجارة مربحة بالكوكايين أو توثيق العلاقات (الإجرامية) مع عصابات أمريكا الجنوبية.

يقول بالميسانو: "إنهم (عصابات فوجيا) يستنزفون الإقليم ويفقرونه، ويعملون على استغلال حديقتهم الخلفية الضيقة إلى حد بعيد، في حين أن عصابات المافيا الأخرى، مثل عصابات مدينة باري، منفتحة على الخارج ولطالما تمتعت بعلاقات وثيقة مع عصابات المافيا في البلقان".

تمرد في صفوف الضحايا

التفجيرات التي شهدتها فوجيا مؤخراً ليست بالأمر الجديد، فقد شهدت المدينة بداية العام الماضي هجوماً كل أربعة أيام، واستمر الحال هكذا حتى نهاية شهر شباط/فبراير، وكانت غالبية الهجمات إمّا انتقامية أو أنها استهدفت بشكل خاص الشركات المحلية التي اشتكت للشرطة من عمليات الابتزاز التي تتعرض لها.

ثمّة تقارير متطابقة تفيد بأن عصابات المافيا تطلب مبالغ تصل إلى 100 ألف يورو من الشركات المحلية، هذا فيما يرصد المراقبون حالة تمرد في صفوف الضحايا الذين بدأوا يرفعون أصواتهم عالياً، ولعلّ تلك الأصوات تكون مقدمة مشجّعة للقوة الجديدة لمكافحة المافيا والتي ستبدأ أعمالها في مدينة فوجيا خلال الأسابيع القليلة القادمة.