عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

بنجامين ستورا... ذاكرة فرنسا الاستعمارية والمؤرخ الذي يهمس في آذان رؤساء فرنسا

euronews_icons_loading
المؤرخ الفرنسي المولود في الجزائر والمكلف بإعداد تقرير حول حرب الجزائر بنجامين ستورا في قصر الإليزيه في العام 2015
المؤرخ الفرنسي المولود في الجزائر والمكلف بإعداد تقرير حول حرب الجزائر بنجامين ستورا في قصر الإليزيه في العام 2015   -   حقوق النشر  أ ف ب
حجم النص Aa Aa

لطالما كان المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا المولود بمدينة قسنطينة في الجزائر، مرجعا لمختلف الرؤساء الذين تعاقبوا على فرنسا منذ استقلال الجزائر في ملف "الاستعمار الفرنسي للجزائر"، الملف الشائك الذي لا يزال ومنذ قرابة الـ 60 عاما يسمم علاقات البلدين. هذه المهمة التي لم يخترها ستورا جعلته منه المؤرخ الذي همس في أذان الرؤساء بإختلاف ألوانهم السياسة منذ بداية الثمانينيات لمواجهة مسألة "اعتراف فرنسا بماضيها الاستعماري" خاصة في الجزائر.

الملف الجزائري، العقبة الوحيدة في قصة الحب والكره التي تجمع الجزائر بفرنسا منذ العام 1962، تاريخ استقلال الجزائر عن المستعمر الفرنسي يريد إيمانويل ماكرون تجاوزها بطريقة حديثة، وهو الرئيس الوحيد الذي وُلد بعد الحرب. لكنه بدوره دعا بنجامين ستورا، "خبير الجزائر" الأساسي لسلفه فرانسوا هولاند لمرافقته في "الزيارة الودية" التي قام بها إلى المستعمرة السابقة في الـ 6 ديسمبر- كانون الأول 2017.

حين يتعلق الأمر بالجزائر، ييرز دوما اسم بنجامين ستورا بشكل أساسي. الطفل اليهودي المولود في قسنطينة والناشط التروتسكي السابق، والمؤرخ الملتزم يشكل ذاكرة تاريخ فرنسا في الجزائر لدى المسؤولين السياسيين في ضفتي المتوسط.

يقول صديقه المؤرخ والزعيم الوطني الجزائري السابق محمد حربي "ستورا يفعل الكثير من أجل التقارب بين الجزائر وفرنسا، إنه يتحدث مع عظماء هذا العالم ويظل متحفظًا".

بعد ميتران وشيراك وساركوزي وهولاند، هل يستطيع ماكرون إحداث فرق في الملف الفرنسي- الجزائري؟ بداية رحلة ستورا مع ذاكرة الرؤساء الفرنسيين في قصر الإليزيه الرئاسي تعود إلى أكثر من ثلاثين عامًا.

1- رئاسة ميتران (1981-1995)

في العام 1984، كان ستورا لا يزال عضوًا في المنظمة الشيوعية الأممية. وكان فرانسوا ميتران رئيسًا للجمهورية منذ ثلاث سنوات، حاول الرئيس الاشتراكي إقناع ستورا بالانضمام إلى الحزب الاشتراكي وبناء اتجاه شاب دون التطرق للجزائر على الإطلاق. لقاءات المؤرخ الذي كان يبلغ من العمر 30 عامًا بالرئيس تعددت وبدأ الحديث يتمحور عن الدور الذي لعبه ميتران في الجزائر.

يقول ستورا في تصريحات لموقع سلات الفرنسي "في الحقيقة كان في ذهن ميتران فكرة محددة. كان يعلم أنني أعرف الكثير عن حرب الجزائر، وأعتقد أنه، بالنظر إلى الوراء، كان يريدني أن أكتب عنه وعن الجزائر، كما فعل مع بيير بين حول فيشي".

أ ف ب
زيارة فرانسوا ميتيران إلى الجزائر واجراء جولة مع الرئيس الشاذلي بن جديد 1981أ ف ب

أدرك بنجامين ستورا بعد بضع سنوات المسؤولية الكبيرة لفرانسوا ميتران بشأن تنفيذ أحكام الإعدام في حق العديد من النشطاء الجزائريين الذي رفض العفو عنهم حين كان يشغل منصب وزير العدل في حكومة غي مولي في الفترة ما بين 1956-1957.

ما وثقه المؤرخ في العام 2010 عن فرانسوا ميتران وحرب الجزائر في كتاب ألفه مع الصحفي فرانسوا بايل، أن ميتران "رافق وطبق حركة عامة لقبول النظام الاستعماري وأساليبه القمعية". هذا التصرف يمكن تفسيره بحسب ستورا بأن فرانسوا ميتران الطموح، الذي كان يبلغ من العمر حينها 40 عامًا، كان يقدم الولاء للرجال الأقوياء في الحكومة للاستمرار في السلطة وبلوغ أهدافه السياسية.

أما بالنسبة لقضية الاعتراف والاعتذار، فهي بالنسبة للرئيس ميتران مسألة شخصية أكثر من كونها مسألة دولة. حيث اعترف بهذه الفترة السوداء في مسيرته، بعد عدة عقود، للسياسي روبرت بادينتر وقال "لقد ارتكبت خطأ واحدًا على الأقل في حياتي، هو هذا الخطأ".

2- رئاسة شيراك (1995-2007)

شأنه شأن سلفه في قصر الإليزيه، يحمل جاك شيراك تاريخا شخصيا ولكنه مختلف تمامًا مع الجزائر. تم استدعاء جاك شيراك، الحديث التخرج من مدرسة الإدارة في العام 1956 للخدمة الوطنية كملازم ثان حيث أرسل إلى الحدود المغربية. خدمته العسكرية لم تستمر طويلا حيث سرعان ما تم تسريحه. لكن جاك شيراك أصبح بسرعة من دعاة "الجزائر فرنسية"، حتى أنه كان يود العودة مجددا إلى صفوف الجيش للدفاع عن هذا المبدأ.

أ ف ب
زيارة جاك شيراك إلى الجزائرأ ف ب

يقدر ستورا الدور الكبير الذي لعبه الرئيس شيراك، حيث كان له الفضل في رفع الغطاء عن تقرير فيلديف في العام 1995 الذي يعترف بمسؤولية الدولة الفرنسية في تهجير اليهود خلال دورية الـ 16 يوليو- تموز 1942. وكذلك في ملف العبودية، حيث أعلن يوم إحياء ذكرى العبودية في 10 مايو- أيار.

ودفع من أجل المصالحة الجزائرية بإعلان سنة جزائرية في فرنسا في العام 2003.

يُنظر إليه باعتباره صديقًا للعرب وداعمًا للقضية الفلسطينية. وقاد جاك شيراك زيارة دولة ناجحة للغاية إلى الجزائر في العام 2003 إلى جانب نظيره الجزائري عبد العزيز بوتفليقة.في شوراع الجزائر التي استقبلت شيراك استقبالا كبيرا وألقى كلمة وصفت بـ "التاريخية" في برلمان الجزائر قال فيها "بعض الذكريات تشبه الأصدقاء المشتركين، فهم يعرفون كيفية يتصالحون". هذه الزيارة فتحت الطريق أمام معاهدة الصداقة الفرنسية الجزائرية.

لكن زخم آفاق المصالحة توقف في العام 2005 بسبب اعتماد فرنسا قانون "الاعتراف بالأمة والمساهمة الوطنية لصالح الفرنسيين العائدين".

ويتضمن أحد بنود هذا القانون "الدور الإيجابي" للاستعمار والذي تم ادراجه في المقررات المدرسية. القانون الذي أثار الجدل في ضفتي المتوسط، كان محل عريضة تطالب بإلغائه العاجل. وكان بنجامين ستورا من أحد الموقعين على العريضة بمبادرة من مؤرخي الجزائر، كلود لياوزو وجيلبرت مينير.

أ ف ب
خطاب جاك شيراك في البرلمان الجزائريأ ف ب

يروي جاك شيراك في مذكراته، التي نقلها المؤرخ جاي بيرفيلي، أن الحكومة الجزائرية أرادت أن تكتب فرنسا بالبنط العريض في ديباجة معاهدة الصداقة الفرنسية الجزائرية التي كانت قيد الإعداد أسفها واعتذارها على "الأخطاء التي وقعت على الجزائر خلال فترة الاستعمار. ما تطلبه منا السلطات في الجزائر ليس أكثر من اعتراف رسمي بالذنب. أنا بطبيعة الحال لم أقبل ذلك".

في ظل عدم وجود صلة مباشرة مع الرئيس شيراك، التقى بنجامين ستورا وتبادل الآراء مع السفير الفرنسي في الجزائر هوبرت كولين دي فيرديير. في العام 2005، ألقى الأخير كلمة في سطيف يدين فيها قمع الشرطة للمظاهرات العنيفة التي اندلعت في المدينة وأدت إلى مقتل عدة آلاف في 8 مايو- آيار 1945.

كما تحدث بنجامين ستورا مع برنارد بارجوليه، السفير الذي خلف هوبرت كولين دي فيرديير، الذي تم تعيينه لاحقًا مديرًا عامًا للأمن الخارجي، "أخبرني بارجولي أنه يرغب في متابعة خطاب سطيف وهذا ما فعله في العام 2008 خلال زيارته إلى قالمة ".

3- رئاسة ساركوزي (2007-2012)

في العام 2007، كان نيكولا ساركوزي أول رئيس دولة فرنسي ينطق بكلمتي الاعتراف والاعتذار قبل أن يتراجع علنًا على الفور. لكن في قسنطينة، خلال الزيارة التي قادته إلى الجزائر في ديسمبر- كانون الأول من نفس العام، ألقى ساركوزي خطابًا اعترف فيه بظلم النظام الاستعماري لكنه رفض التفريق بين الضحايا أو منحهم الأولوية.

أ ف ب
زيارة نيكولا ساركوزي إلى الجزائرأ ف ب

يقول بنجامين ستورا الذي التقى بهنري غينو، مستشار نيكولا ساركوزي "لقد كان خطابًا مثيرًا للاهتمام لكنه كان مرة واحدة فقط". وبشكل غير رسمي اتضح أن ساركوزي كان يود أن يفعل ما فعله شيراك في العام 2006، عندما أدان الجرائم الاستعمارية التي ارتكبت في مدغشقر وقمع التمرد في الفترة 1947-1948 ". علاقات ستورا مع ساركوزي لم تشهد زخما يذكر.

4- رئاسة هولاند (2012-2017)

كان ستورا قريبا جدًا من فرانسوا هولاند حتى قبل البدء الرسمي للحملة الانتخابية، وقد نظم المؤرخ مجيء المرشح إلى جسر كليشي لإلقاء وردة تكريمًا للجزائريين الذين ألقت بهم الشرطة في نهر السين في 17 أكتوبر- تشرين الأول 1961 . حيث أعلن المرشح الإشتراكي هولاند وقتها "يجب قول الحقيقة. بلا اعتراف واعتذار ولا اتهام خاص ".

وبمجرد انتخابه رئيسًا للجمهورية في العام 2012، اعترف هولاند رسميًا بتاريخ الـ 17 أكتوبر- تشرين الأول 1961.

أ ف ب
الرئيس فرانسوا هولاند والمؤرخ بنجامين ستورا في الجزائرأ ف ب

التقى ستورا وهولاند في العام 2006، حيث كان زعيم الحزب الاشتراكي يرغب في القيام بزيارة رسمية إلى الجزائر وأن يرافقه بنجامين ستورا. وكان هذا التاريخ بداية لعلاقة طويلة بين الرجلين حتى خلال وصول هولاند إلى الإليزيه.

كتب بنجامين ستورا في مقال نُشر في العام 2012 في باريس ماتش بعنوان بنجامين ستورا، مؤرخ الرئيس: "ليس لدي أي منصب أو مكتب". لكنه أكد اتصالاته المعتادة مع الرئيس "محادثات غير رسمية، ولقاءات وجها لوجه معه أو مع بول جان أورتيز، مستشاره الدبلوماسي، لإثارة مسائل التاريخ أو السياسة الدولية".

يعتبر خطاب فرانسوا هولاند أمام البرلمان الجزائري في ديسمبر- كانون الأول 2012 علامة فارقة في تاريخ البلدين الحديث. الخطاب حمل طيف "ستورا" إلى قدر كبير، حيث تشكل من عبارات "نظام الاستعمار الجائر والوحشي". واقترح بأن "الحقيقة، يجب أن تُقال أيضًا عن الظروف التي تخلصت فيها الجزائر من النظام الاستعماري ". وخلص فرانسوا هولاند إلى أن "سلام الذكريات الذي أطمح إليه يقوم على الاعتراف بالتاريخ وكشفه".

في العام 2014، عيّن فرانسوا هولاند بمعية مانويل فالس، مؤرخ الهجرة لرئاسة متحف ... الهجرة.

العثرة الوحيدة في علاقة الثقة المتبادلة بين البلدين كانت في أعقاب هجمات 13 نوفمبر- تشرين الثاني 2015 في باريس، عندما أعلن فرانسوا هولاند توسيع إمكانية إسقاط الجنسية لجميع الأشخاص ثنائيي الجنسية. ويعترف بنجامين ستورا بقوله "لقد شعرت بالحزن لأنه كان بإمكانه التفكير في نتيجة هذا التمييز بين الفرنسيين".

5- رئاسة ماكرون (2017-إلى اليوم)

في فبراير- نيسان 2017، في خضم الحملة الانتخابية، قام المرشح إيمانويل ماكرون بزيارة إلى الجزائر. وفي مقابلة مع قناة الشروق الجرائرية، وصف ماكرو الاستعمار بأنه "جريمة ضد الإنسانية" "يجب أن نواجهها ونعتذر أيضا". لكنه لفت بعد ذلك إلى أنه لا يريد أن "نقع في ثقافة التأنيب التي لا نبني عليها أي شيء".

تصريحات ماكرون أثارت غضبا في معسكر اليمين واليمين المتطرف. نفس الغضب والشعور بالاتهام ساد لدى العديد من عائلات الأقدام السوداء الذين غادروا الجزائر، البلد الذي استقر فيه أجدادههم في بعض الأحيان منذ عدة أجيال والذين اضطروا إلى "الفرار" بعد الاستقلال في العام 1962.

وتوالت التصريحات المعاتبة لماكرون حيث قال روبرت مينار، عمدة مدينة بييزيي والمنحدر من عائلة أقدام سوداء "هل هو جاهل لهذا الحد لحرب الجزائر ليقول مثل هذه الفظاعة. في هذا الموضوع، مثل الطبقة السياسية بأكملها، يمارس ماكرون جلد الذات. وبفضل هذا، فإن الحكومة الجزائرية تلعب على هذا الوتر".

أ ف ب
زيارة إيمانويل ماكرون إلى الجزائرأ ف ب

وقال المؤرخ غي بيرفيلي الذي نشر على موقعه على الإنترنت ردا طويلا على إيمانويل ماكرون "تحدث كمرشح لرئاسة الجمهورية الجزائرية وليس كمرشح لرئاسة الجمهورية الفرنسية.

من جانبه علق ستورا بقوله "لم كنت لأنصح ماكرون ليقول هذا".

بعد يومين من تصريحاته المثيرة للجدل، لجأ إيمانويل ماكرون إلى صحيفة الفيغارو وقال "هذا لا يعني أن أولئك الذين عاشوا في الجزائر وخدموا تحت العلم الفرنسي كانوا مجرمين ضد الإنسانية لأن المسؤول الوحيد عن ذلك هي الدولة الفرنسية"، وأضاف "يجب أن نصالح الذكريات الممزقة. لست في خانة الاعتذار ولا الكبت".

منذ انتخابه، التقى الرئيس ماكرون بنيامين ستورا عدة مرات. وأشاد الرئيس بعمله علنًا لأن المؤرخ يعد أول من درس، منذ العام 1991 في كتابه "غَنْغرينَةٌ ونسيان La Gangrène et et l’oubli"، العلاقة مع ذاكرة حرب الجزائر ثم كيف تم تكريسها في المجتمع الفرنسي ولتشكل المشهد السياسي.

على أمواج محطة فرانس إنتر الإذاعية في 5 ديسمبر- كانون الأول، أي عشية الزيارة الرئاسية التي قادت ماكرون إلى الجزائر، ذكّر المؤرخ بسن إيمانويل ماكرون ولفت إلى أنه لا تربطه أي صلات شخصية مادية مع المغرب العربي على عكس كل الرؤساء الذين سبقوه تقريبًا. وأوضح ستورا في سبتمبر- أيلول 2017 "ماكرون ليس لديه محرمات، فهو ليس سجين زبائن انتخابيين، إنه من جيل لا يملك فكرة الدفاع عن العبودية أو الاستعمار. دعونا نعطيه بعض الوقت قبل الحكم عليه". وتابع "لا يؤيد مبدأ الاعتذار بل الاعتراف بكل الذكريات".

أ ف ب
المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا يسلم تقريرا حول حرب الجزائر إلى إيمانويل ماكرونأ ف ب

لعب الرئيس الفرنسي الشاب على تعادل الكفة بقوله من جهة "مستعد" لأن تعيد باريس جماجم "الشهداء الجزائريين" الذين قتلوا في القرن التاسع عشر على يد الجيش الفرنسي والموجودة في متحف الإنسان، وتعتبر هذه اللفتة مهمة في الجزائر العاصمة وتصرفا مهما. ومن جهة أخرى، التعبير عن الرغبة في أن يتمكن كل من عاش في الجزائر والذين أبعدتهم الحرب عن هذا البلد من العودة إلى هناك، وهي الرسالة التي يمكن توجيهها إلى الجميع سواء الأقدام السوداء وكذلك الحركى و حتى للمعارضين الجزائريين الذين لجأوا إلى فرنسا.

في الجزائر العاصمة، وبتاريخ الـ 6 ديسمبر- كانون الأول، استأنف إيمانويل ماكرون "ملاحظات إدانة الجرائم التي ارتكبها الاستعمار، دون اعطاء المزيد من الدقة"، كما يشير بنجامين ستورا. "مفهوم "الجريمة ضد الإنسانية" الذي أثاره المرشح خلال الحملة الانتخابية ذهب أدراج الرياح . وفي نفس الوقت طلب التطلع إلى المستقبل لأنه يريد أن يظل محبوسًا في جروح التاريخ"، وفقًا للمؤرخ الذي شوهد وراء الرئيس خلال إحدى رحلاته إلى الجزائر العاصمة.

هذا التوتر والمد والجزر بين الماضي والحاضر والمستقبل يعكس الصعوبة التي يواجهها إيمانويل ماكرون بدوره. لكن الرئيس الفرنسي الشاب بلا شك يحاول الابتكار وايجاد الطرق الجديدة وأن يسجل نهجه "لا إنكار ولا توبة" في إطار القارة الأفريقية بأكملها، كما لو أنه يريد أن يخرج من مواجهة حصرية وجهاً لوجه بين باريس والجزائر. وهذا هو سبب زيارته الأولى لبوركينا فاسو وكوت ديفوار وغانا قبل الجزائر.

يقول بنجامين ستورا "يجب أن تكون هناك مصالحة بين الذكريات ولكن ليس بأي ثمن. ولا بد من القول إن النظام الاستعماري كان مستهجنًا. وهذه من أقوى الأفكار".

هذا المبدأ الذي يحاول ماكرون تجسيده على أرض الواقع يرفضه اليمين الفرنسي واليمين المتطرف رفضا قاطعا، حسب ستورا "لأن الأمر يتعلق بجزء من ذاكرتهم التاريخية. أتفهم هذا الأمر جيدا لأنني أعرف هذه القصة من الداخل، لكنني لا أؤيد روايتهم عن الجزائر الفرنسية السعيدة التي أصبحتُِ فيها بعبع اليمين المتطرف". ويتابع المؤرخ "لا بد من التطرق أيضا إلى مشكلة معاداة السامية التي يبديها بعض النشطاء نحوي ".

viber

في الـ 17 أكتوبر- تشرين الأول 2017، بينما أحيا البعض ذكرى وفاة مائة جزائري قبل 56 عاما جاؤوا للتظاهر في باريس، علمنا باعتقال عشرة نشطاء من اليمين المتطرف كانوا يعدون لشن هجوم على سياسيين. لقد أطلقوا على مشروعهم الإرهابي الاسم الرمزي أو أي أس OAS (منظمة الجيش السري، التي تأسست في العام 1961 لحراسة الجزائر الفرنسية). وتمثل هذه الحادثة أحد الدلائل بين التاريخ والحاضر التي لا يستطيع إيمانويل ماكرون تجاهلها والتي تفطن لها بنجامين ستورا باستمرار وشجبها.