عاجل
المعذرة، هذه المادة غير متوفرة في منطقتكم

الليرةُ السورية انعكاسٌ لواقعٍ بائس ومستقبلٍ مجهول؟

المصرف المركزي في سوريا يطرح ورقة نقدية جديدة من فئة 5 آلاف ليرة وسط أسوأ أزمة اقتصادية ومعيشية تواجهها البلاد منذ بدء الأزمة قبل نحو 10 أعوام
المصرف المركزي في سوريا يطرح ورقة نقدية جديدة من فئة 5 آلاف ليرة وسط أسوأ أزمة اقتصادية ومعيشية تواجهها البلاد منذ بدء الأزمة قبل نحو 10 أعوام   -   حقوق النشر  AP/AP
حجم النص Aa Aa

لا يختلف إثنان أن التدهور الدراماتيكي الذي شهدته، ولا زالت "الليرة السورية" يشكّل أحد تجليات الأزمة المستحكمة التي ضربت مفاصل الاقتصاد السوري على مدار عقدٍ من الزمن بفعل الحرب الطاحنة التي عمّت البلاد ودمّرت الصناعة والزراعة وقطاعي النفط والسياحة، وشقّت طرقاً لهروب رأس المال المحلي، وأصابت الاستثمار الأجنبي في مقتل.

فبعد أن كان سعر الدولار الأمريكي لا يتجاوز الـ48 ليرة سورية قبل بدء الحراك المناهض لنظام الرئيس بشار الأسد في شهر آذار/مارس من العام 2011، أصبح الآن سعر الدولار في السوق الموازي يعادل الـ4550 ليرة سورية، وعلى ضوء عجز بنك سوريا المركزي عن التدخل لإنقاذ "الليرة" وحمايتها، فإن المؤشرات تؤكد أن هذه الليرة ستواصل هبوطها الحاد وصولاً بالمشهد المالي السوري إلى تخوم "الدولرة".

دعم الليرة

فالبنك المركزي السوري الذي كان يتبّع قبل الأزمة سياسة التدخل المباشر في سعر الصرف، قام خلال الأشهر الأولى من الحراك الشعبي ضد النظام بضخّ ملياري دولار لدعم "الليرة" ما أدى إلى استقرار قيمة الليرة السورية، حتى أن سعرها في الصرف الرسمي بقي يتماهى مع سعرها في السوق الموازي، غير أن الليرة ما لبثت أن فقدت مطلع العام 2012 ما نسبته 40 بالمائة من قيمتها إذ أصبح سعر الدولار الأمريكي في السوق الموازي 73 ليرة سورية، وذلك رغم إعلان البنك المركزي رفع سعر الفائدة 2 بالمائة ومواصلته تمويل الواردات بسعر الصرف الرسمي والبالغ حينها 55 ليرة سورية.

الليرة تواصل تراجعها

وفي العام 2013، ومع اشتداد العقوبات الغربية على النظام السوري، وتراجعه ميدانياً، وتزايد المخاوف من قيام الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بعمل عسكري ضد النظام على خلفية امتلاكه أسلحة كيميائية قيل إنه استخدمها ضد شعبه، أخذت قيمة الليرة بالانخفاض أكثر انحداراً ليصل سعر الدولار الأمريكي 94 ليرة سورية مع حلول فصل الصيف، فيما كان سعر الدولار الأمريكي بالسعر الرسمي 77 ليرة سورية.

ومع تواصل العمليات العسكرية المدمّرة على امتداد الرقعة السورية وتسجيل معدّلات نزوح ولجوء عالية، واصلت الليرة السورية تراجعها، ليصل سعر الدولار الأمريكي في العام 2014 إلى 141 ليرة بالسعر الرسمي و155 في السوق السوداء، وفي العام 2015 توسّعت الهوية بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء للدولار الأميركي، ليصبح سعره على التوالي؛ 180 ليرة و225 ليرة.

الهوّة وسعرا الصرف

وفي العام 2016، بدأ البنك المركزي باتباع سياسة عدم التدخل في السوق بسبب انخفاض احتياطاته من القطع الأجنبي، وأصبح السعر الرسمي للدولار الأمريكي 312 ليرة سورية، و400 ليرة سورية في السوق السوداء، وفي العام 2017، ومع التقدم الميداني الذي أحرزته قوات النظام السوري ومع تأمين قرض جديد من إيران بقيمة مليار دولار أمريكي، تقلّصت الهوة بين السعرين الرسمي والموازي للدولار الأمريكي في السوق السوري، ليصبح سعره رسمياً 497 ليرة 528 في السوق السوداء، علماً أن النظام السوري تسلّم من إيران ما مجموعه 7.6 مليار دولار بين عامي 2013 و2017 .

تحسنٌ طارئ

وفي العام 2018، شهد سعر الصرف تحسناً، إذ بات السعر الرسمي للدولار الأمريكي 434 ليرة سورية بينما في السوق السوداء كان سعره 469 ليرة سورية، إلا أن هذا التحسن الذي كان مرتبطاً برهان بعضهم على قرب انتهاء الأزمة السورية، لكن هذا التحسن ما لبث أن انكفأ في العام 2019 لتستعيد الليرة السورية مسارها الانحداري في السوق السوداء حيث سجّل سعر الدولار الأمريكي 535 ليرة سورية.

شفير مجاعة

وتعّد الأزمة المالية التي شهدها لبنان أواخر العام 2019، سبباً رئيسياً من أسباب التدهور المتسارع لليرة السورية، إذ فرضت البنوك اللبنانية قيوداً صارمة على سحب العملات الأجنبية التي يعود أكثر من ثلثها للسوريين، ويشار في هذا السياق إلى أن الرئيس السوري بشار الأسد اعتبر في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي أن من الأسباب الرئيسة للأزمة الاقتصادية في سوريا يعود إلى حجز المصارف اللبنانية لودائع السوريين التي قال إنها تبلغ ما بين 20 و42 مليار دولارأمريكي.

الأزمة المالية في لبنان تزامنت مع بدء تفشي جائحة كورونا، أعقب ذلك دخول قانون "قيصر" الذي شددت من خلاله الولايات المتحدة العقوبات الاقتصادية على النظام السوري حيز التنفيذ، ومع استمرار الأزمة السورية وانغلاق أفق الحل السياسي، أصبحت الليرة السورية في مهب الريح، بينما تضاعفت أسعار السلع في أنحاء البلاد التي باتت تجد نفسها على شفير مجاعة تهدد أكثر من 9.3 مليون سوري، وفقاً لتقارير منظمة الغذاء العالمي.

منحة ومحنة

وفي ظل حالة الانهيار الدراماتيكي لسعر الليرة السورية، التي عبّر عنها طرح المصرف المركزي في سوريا مؤخراً ورقة نقدية من فئة 5 آلاف ليرة، أصدر الرئيس السوري بشار الأسد، يوم أمس الثلاثاء، مرسوما تشريعيا يقضي بصرف منحة لمرة واحدة مقدارها 50 ألف ليرة سورية للعاملين المدنيين والعسكريين، هذا في وقت قررت حكومته رفع سعر المشتقات النفطية بأكثر من 50 بالمائة، ما يفاقم من معاناة السوريين الذين ينتظرون في طوابير طويلة للحصول على البنزين المدعوم ويشكون من الغلاء وارتفاع الأسعار المتواصل.

وينص المرسوم على منح العاملين في القطاع العام، بمن فيهم العاملون بعقود بدوام جزئي والمجندين مبلغ 50 ألف ليرة سورية لمرة واحدة، أي ما يقرب من 11 دولارا في السوق السوداء، وسيتم صرف 40 ألف ليرة سورية للمتقاعدين.

وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، من ناحيتها، أعلنت مساء الاثنين الماضي أنها عدلت سعر لتر البنزين الممتاز أوكتان 90 "للكميات المخصصة على البطاقة الإلكترونية، مدعوم وغير مدعوم،" إلى 750 ليرة سورية للتر الواحد بعدما كان 475، أي بزيادة قدرها نحو 58 بالمئة، كما زادت سعر البنزين غير المدعوم إلى ألفي ليرة للتر الواحد بعدما كان 1300 ليرة، أي بزيادة نحو 54 بالمئة تقريبا، وقررت الوزارة أيضا تحديد سعر أسطوانة الغاز المنزلي بـ3850 ليرة سورية، مقارنة مع 2700 ليرة في السابق.

وتشير الأرقام الواردة في المرسوم الرئاسي وتلك الصادرة عن وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك في سوريا، إلى تفاقم الهوّة بين دخل الفرد وأسعار المواد في السوق المحلية والذي يمكّن من قراءة واقع الحال في المشهد السوري البائس.