قالت براون: "نحتاج إلى ممر آمن وفريق صغير بلا أي ميليشيات مسلّحة للوصول إلى المواقع المهمة وإجلاء الجرحى والمحتجزين، لكن الجواب حتى الآن كان: لا".
حذرت دنيس براون، المنسقة المقيمة للشؤون الإنسانية في السودان، من أن عشرات الآلاف من سكان مدينة الفاشر في إقليم دارفور يواجهون كارثة إنسانية غير مسبوقة، بعد مرور شهر على المجزرة التي هزّت المدينة وأوقعت المئات من الضحايا.
وقالت براون التي عادت من منطقة دارفور الأسبوع الماضي، "إن المساعدات الإنسانية المتوفرة بعيدة كل البعد عن تلبية احتياجات الناجين"، محذّرة المجتمع الدولي من أن استمرار الوضع بهذا الشكل قد يؤدي إلى مأساة أكبر.
آلاف المدنيين ما زالوا محاصرين
تُظهر التقارير أن آلاف الأشخاص ما زالوا محاصرين داخل الفاشر، العاصمة الإقليمية التي تسيطر عليها منذ الشهر الماضي قوات الدعم السريع (RSF)، المتهمة بمنع المدنيين من الفرار وعرقلة دخول المساعدات الحيوية.
وقالت براون في مقابلة هاتفية مع ABC News: "لا نملك ما يكفي من الغذاء، ولا نملك ما يكفي من أي شيء. على المجتمع الدولي أن يتحرك."
وأضافت أن الأمم المتحدة لا تستطيع حتى الآن تقديم الدعم الكافي للناجين، مشيرةً إلى أن الوضع يتفاقم يوماً بعد يوم بسبب نقص التمويل والقيود الأمنية المفروضة من قبل القوات المسلحة.
مأساة النازحين في المخيمات
تعتبر الفاشر آخر معاقل الجيش السوداني والميليشيات المتحالفة، وظلت تحت حصار كامل لأكثر من عام ونصف قبل سقوطها في أواخر أكتوبر بيد قوات الدعم السريع. ويقدّر أن نحو 80 ألف شخص فرّوا إلى مخيم ضخم في بلدة طويلة، بعد قطع مسافة 35 ميلاً سيراً على الأقدام، في حين كان المخيم يضم بالفعل نحو 600 ألف نازح.
وجلب النازحون معهم قصصاً مروعة عن الإعدامات الميدانية والاغتصاب الجماعي وقتل من يحاول الفرار. وذكرت براون أن حوالي 50 ألف شخص قد يكونون محتجزين داخل الفاشر، معتبرة أن وضعهم "احتجاز فعلي" من قبل قوات الدعم السريع.
وأظهر تحليل صور الأقمار الصناعية وجود دماء وأكوام من الجثث بعد سيطرة القوات على المدينة، بينما أعلن مرصد أممي للأمن الغذائي أن المجاعة قد انتشرت بالفعل في الفاشر والمناطق المحيطة.
قيود التمويل تحد من الاستجابة الإنسانية
أوضحت براون أن قدرة الأمم المتحدة على الاستجابة محدودة بسبب نقص التمويل، وقالت: "نحن ممولون بنسبة 28% فقط. فماذا يريد المجتمع الدولي مني أن أفعل لتلبية احتياجات الناس الذين يعانون صدمات نفسية؟"
ورغم التمويل الجزئي، أشارت إلى أن الاستجابة الإنسانية في السودان تعد واحدة من أفضل الاستجابات تمويلاً عالمياً، لكنها تواجه تأثيرات التخفيضات الكبيرة من المانحين، بما في ذلك الولايات المتحدة، أكبر مانح للأمم المتحدة، التي انسحبت مؤخراً من عدة وكالات أممية وجمّدت تمويل أخرى واستعادت مليار دولار من الأموال المعتمدة سابقًا.
وأضافت براون: "المال ليس الحل الوحيد، لكنه ضروري لدعم الاستجابة الإنسانية."
العنف الجنسي وغياب الرعاية النفسية
أكدت براون أن المخيمات، بما فيها مخيم طويلة، لا توفر الرعاية الكافية للنساء والفتيات اللواتي تعرضن للعنف الجنسي، موضحة أن الأمم المتحدة وثقت مئات حالات الاغتصاب والجريمة الجنسية في دارفور، لكنها تعتقد أن هذه الحالات "ما هي إلا قمة جبل الجليد".
وتسعى الأمم المتحدة للتفاوض مع قوات الدعم السريع للسماح بوصول المساعدات، لكن حتى الآن لم يتم تحقيق أي تقدم، ولهذه الغاية سافر رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية توم فليتشر مع براون إلى دارفور الأسبوع الماضي للقاء قوات الدعم السريع، وطلب الوصول الكامل إلى جميع أنحاء السودان للعمليات الإنسانية وتوفير شروط الأمم المتحدة لمثل هذا الاتفاق.
وقالت براون: "نحتاج إلى ممر آمن وفريق صغير دون أي ميليشيات مسلّحة للوصول إلى المواقع المهمة وإجلاء المصابين والمحتجزين. والإجابة حتى الآن كانت: لا."
خلفية الصراع: قوات الدعم السريع وأصولها
اندلعت الحرب الأهلية في السودان عام 2023 بين القوات الموالية للفريق عبدالفتاح البرهان قائد الجيش السوداني، والفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد قوات الدعم السريع، بعد تصاعد التوتر بين الحليفين السابقين اللذين نفذا انقلاباً عسكرياً عام 2021 أطاح بالحكومة المدنية الانتقالية بعد الإطاحة بـ عمر البشير عام 2019.
وتشكّلت قوات الدعم السريع رسمياً عام 2013 من ميليشيات الجنجويد التي استخدمتها الحكومة السابقة لقمع التمرد في دارفور، واتُهمت بارتكاب جرائم حرب، ما أدى إلى توجيه المحكمة الجنائية الدولية اتهامات بالإبادة الجماعية للرئيس السابق عمر البشير، ويعتقد خبراء أن الفظائع الأخيرة في الفاشر تمثل استمراراً لتلك الجرائم.
منذ ذلك الحين، أصبحت الحرب الأهلية في السودان "واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين"، وفقًا للأمم المتحدة، حيث قُتل عشرات الآلاف وشُرد ملايين آخرون.