في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران على خلفية الاحتجاجات الواسعة في إيران، بدأت مؤشرات عسكرية وسياسية متسارعة بالظهور في المنطقة، عاكسة انتقال الأزمة من مستوى التصريحات إلى إجراءات ميدانية احترازية، في وقت يدرس فيه البيت الأبيض خيارات متعددة للتعامل مع التطورات الجارية.
نقلت "نيويورك تايمز"عن مسؤولين عسكريين أمريكيين قولهم إنّ البحرية الأمريكية تمتلك حاليًا ثلاث مدمرات قادرة على إطلاق الصواريخ في منطقة الشرق الأوسط، من بينها المدمرة روزفلت التي دخلت خلال الأيام الأخيرة البحر الأحمر.
كما أشار مسؤولون في البنتاغون إلى وجود ما لا يقل عن غواصة أمريكية واحدة مزودة بصواريخ في المنطقة، في مؤشر إضافي على رفع مستوى الجهوزية العسكرية.
وقد أفاد مسؤولون أمريكيون للصحيفة بأن البنتاغون عرض على الرئيس ترامب مجموعة واسعة من الخيارات المحتملة، تشمل توجيه ضربات تطال البرنامج النووي الإيراني، بما يتجاوز الضربات الجوية الأمريكية التي استهدفت بعض تلك المواقع في يونيو الماضي، إضافة إلى استهداف مواقع الصواريخ الباليستية.
في المقابل، رجّح هؤلاء أن تكون خيارات أخرى، مثل تنفيذ هجوم سيبراني أو توجيه ضربة إلى جهاز الأمن الداخلي الإيراني، أكثر ترجيحًا في المرحلة الحالية. وأكدوا أن أي هجوم محتمل لا يزال على بعد عدة أيام على الأقل، محذرين من أنه قد يدفع إيران إلى رد انتقامي قوي.
قاعدة العديد في قلب التوتر
وفقاً لـ"نيويورك تايمز"، باشر الجيش الأمريكي إجلاء عدد غير محدد من الأفراد من قاعدة العديد الجوية في قطر كإجراء احترازي.
وقالت الحكومة القطرية في بيان إن عمليات الإجلاء من قاعدة العديد تأتي "استجابة للتوترات الإقليمية الراهنة". وأوضح مكتب الإعلام الدولي، تعليقًا على التقارير الإعلامية المتداولة بشأن مغادرة بعض الأفراد من القاعدة، أن مثل هذه الإجراءات تُتخذ في ظل التوترات التي تشهدها المنطقة.
وأكد المكتب أن قطر تواصل اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان أمن وسلامة المواطنين والمقيمين باعتبارها أولوية قصوى، بما في ذلك التدابير المرتبطة بحماية المنشآت الحيوية والعسكرية، لافتًا إلى أن أي مستجدات سيتم الإعلان عنها عبر القنوات الرسمية المعتمدة.
بعد الهجوم الأمريكي على ثلاثة مواقع نووية إيرانية في يونيو الماضي، ردّت إيران بإطلاق صواريخ على قاعدة العديد. وخلال حرب الاثني عشر يومًا بين إيران وإسرائيل، والتي تخللتها أيضًا ضربات أمريكية على منشآت نووية إيرانية، أطلقت طهران صواريخ باليستية على القاعدة في الدوحة. وقال الأمريكيون حينها إن الضربات لم تتسبب بإصابات أو بأضرار بالغة.
تُعد قاعدة العديد الجوية أكبر قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط ومقر القيادة الإقليمية للقيادة المركزية الأمريكية، ويتمركز فيها نحو 10 آلاف جندي. ويستخدم الجيش الأمريكي القاعدة منذ هجمات 11 سبتمبر، حين انطلقت منها الطائرات لاستهداف طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان، قبل أن تتحول بعد عامين إلى المركز الرئيسي للعمليات الجوية الأمريكية في المنطقة، معززة بمنظومة واسعة من الدفاعات الجوية.
رسائل تصعيد متبادلة
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الثلاثاء، مخاطبًا الإيرانيين المتظاهرين ضد حكومتهم إن "المساعدة في طريقها إلى إيران"، في إشارة فسّرها مراقبون على أنها تلميح لاحتمال تدخل أمريكي قريب.
وفي سياق متصل، حضّت السفارة الأمريكية في الرياض موظفيها على توخي مزيد من الحذر وتجنب السفر غير الضروري إلى المنشآت العسكرية في المنطقة. وجاء في تنبيه أمني نُشر على الموقع الإلكتروني للسفارة أن البعثة الأمريكية، في ضوء التوترات الإقليمية المستمرة، تنصح موظفيها والمواطنين الأمريكيين في المملكة باتخاذ الاحتياطات اللازمة والحد من التنقل غير الضروري إلى المواقع العسكرية.
في المقابل، دانت إيران ما وصفته بـ"التصريحات الاستفزازية" الصادرة عن مسؤولين أمريكيين.
الحرس الثوري يؤكد استعداده للرد
أكد قائد الحرس الثوري الإيراني، الاربعاء، جهوزية بلاده للرد "بحزم" على إسرائيل والولايات المتحدة، محملا قيادتي البلدين مسؤولية الاحتجاجات الجارية في الجمهورية الإسلامية.
وفي بيان بثه التلفزيون الرسمي، شدد قائد الحرس الثوري محمد باكبور على أن قواته في "أقصى درجات الاستعداد لمواجهة الحسابات الخاطئة للعدو"، واصفا الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بأنهما "قتلة شباب إيران".
عراقجي: إسرائيل تستدرج واشنطن
اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إسرائيل دأبت على محاولة استدراج الولايات المتحدة إلى خوض حروب بالنيابة عنها.
وفي تغريدة على منصة إكس اعتبر عراقجي إن إسرائيل تسعى دائما إلى جر الولايات المتحدة لخوض حروب نيابة عنها، معتبرا أن اللافت هذه المرة هو قول ذلك علنا، ومشيرا إلى أنه في ظل "الدماء في شوارعنا" تتباهى إسرائيل صراحة بتسليح متظاهرين بأسلحة حية، وتقر بأن "هذا هو سبب سقوط مئات القتلى"، مضيفا أن على الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يعرف تماما الجهة التي يجب التوجه إليها إذا أراد وقف عمليات القتل.
وجاء تصريح عراقجي تعليقا على تغريدة للصحافي الإسرائيلي تامير موراغ، قال فيها إن قناة 14 نشرت في نشرتها الرئيسية أن "عناصر أجنبية تقوم بتسليح المتظاهرين في إيران بأسلحة حية، وهذا هو سبب سقوط مئات القتلى بين أفراد النظام"، مضيفا أن أي شخص يمكنه تخمين الجهة المقصودة.
موراغ يهاجم عراقجي
وفي رد لاحق، هاجم الصحافي الإسرائيلي تامير موراغ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بلهجة حادة، معتبرا أن تغريدته تكشف مدى اعتقاده بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب "غبي وقابل للتلاعب"، ومتهما عراقجي و"زملاءه " بالمسؤولية عما وصفه بـ"حمام الدم" بحق الإيرانيين، ومحملهم دماء عشرات الآلاف، ومهددا بمحاسبتهم.
كما أكد موراغ أن إسرائيل تتمتع بصحافة حرة، وأن تقارير الإعلام لا تمثل الحكومة، بما في ذلك تقارير قناة 14، مضيفا أن جماعات قومية داخل إيران، بينها الأكراد والبلوش والأحوازيون والأذريون، تريد رحيل عراقجي.
حصيلة الاحتجاجات
وفي حصيلة محدّثة، أفادت منظمة حقوقية بمقتل ما لا يقل عن 3428 شخصًا خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة منذ 18 يومًا، إضافة إلى إصابة الآلاف بجروح.
وقالت منظمة "حقوق الإنسان في إيران" (إيران هيومن رايتس) التي تتخذ من النروج مقرّا في بيان "3428 شخصا على الأقل قتلوا خلال الاحتجاجات المناهضة للحكومة منذ 18 يوما"، مشيرة الى إصابة الآلاف بجروح.
ونقلت عن مصادر في وزارة الصحة الإيرانية أن 3379 قتيلا سجّلت وفاتهم بين 8 و12 كانون الثاني/يناير فقط، مؤكدة أن عدد القتلى الفعلي أكبر من ذلك بكثير.