قال نتنياهو إنه إذا قامت القنابل الإسرائيلية "بتفكيك أسس الجمهورية الإسلامية، فسيعني ذلك دفع دين قديم يمتد لآلاف السنين، منذ تحرير اليهود من الأسر في بابل على يد قورش".
تراقب إسرائيل الوضع في إيران عن كثب، مع اتساع رقعة التظاهرات في بلد يعدّ من أكبر أعدائها. فبعد انتصار الثورة التي قادها روح الله الخميني عام 1979، أطيح بتحالف قديم امتد لعقود. فكيف كانت علاقة إسرائيل بإيران في زمن الشاه؟
قبل أيام، صرّح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قائلًا: "نأمل أن يتحرر الشعب الفارسي قريبًا"، مؤكدًا أن إسرائيل وإيران ستصبحان شريكتين مرة أخرى بعد التخلص من النظام، فيما نشر وزير من حزب الليكود صورًا ضخمة مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي لعلم الشاه، وكتب: "قريبًا، قريب جدًا".
ومع أن الذي ينظر في العلاقات الإسرائيلية- الإيرانية حاليا يخال أن العداوة بينهما تكاد تكون أزلية، إلا أن المشهد لم يكن كذلك قبل بضع سنوات، بل على العكس: كانت رحلات طيران "إل عال" الرسمية الإسرائيلية تهبط في طهران، وعلى الأرض يضلع مهندسون إسرائيليون في بناء البنى التحتية الإيرانية، فيما يغذي النفط الإيراني مدن إسرائيل، ويقدم جهاز الاستخبارات الإسرائيلية (الشاباك) خبراته لقوات الأمن في طهران.
وقد حرص نتنياهو دائمًا على الفصل في خطاباته ما بين العداء الشعب الإيراني والنظام، مذكرًا بأن الدولة العبرية ستكون أول من يمد يدها للإيرانيين في حال "تخلّصهم من الحكم الاستبدادي" وفق تعبيره.
وحتى في إعلانه الحرب عبر عملية "الأسد الصاعد" في يونيو الماضي خاطب نتنياهو الشعب قائلا: "صراعنا ليس معكم، صراعنا مع الديكتاتورية الوحشية التي قهرتكم منذ 46 عامًا. وعندما يحدث ذلك (يسقط النظام) ستزدهر الصداقة العريقة بين شعبينا القديمين مرة أخرى".
العلاقة التاريخية
تعود العلاقة بين اليهود وبلاد فارس إلى ما قبل قيام الدول الحديثة، حيث يحظى مؤسس الإمبراطورية الفارسية الأخمينية، قورش الكبير، بمنزلة رفيعة في التقاليد اليهودية لتحريره اليهود من المنفى البابلي والسماح لهم بإعادة بناء الهيكل الثاني.
ويعتبر المسؤولون الإسرائيليون قورش نموذجًا عن نجاح العلاقة مع بلاد فارس، ففي خضم حرب الـ12 يومًا في مدينة بئر السبع، عندما اتهمت تل أبيب طهران بقصف مستشفى سوروكا، ألمح نتنياهو، وهو في جولة تفقدية للموقع المستهدف، أن الوقت قد حان لليهود "لسداد دينهم القديم لقورش الكبير وإحضار التحرير إلى إيران" كما عبّر.
وقال للصحفيين في مجمع المستشفى: "يسألني الناس، هل نستهدف إسقاط النظام؟ ربما يكون ذلك نتيجة، لكن الأمر متروك للشعب الإيراني ليقوم بالثورة من أجل حريته. الحرية ليست رخيصة، ولا تأتي بالمجان. الحرية تتطلب أن يقف هؤلاء الناس المستضعفون، والأمر متروك لهم. لكن قد نخلق الظروف التي تساعدهم على ذلك."
وأضاف نتنياهو أنه إذا قامت القنابل الإسرائيلية "بتفكيك أسس الجمهورية الإسلامية، فسيعني ذلك دفع دين قديم يمتد لآلاف السنين، منذ تحرير اليهود من الأسر في بابل على يد قورش".
وتابع: "أريد أن أخبركم أن قورش الكبير، ملك فارس، حرر اليهود قبل 2500 عام. واليوم، دولة يهودية تهيئ الوسائل لتحرير الشعب الفارسي."
العلاقات في عهد الشاه
وفي عهد الشاه محمد رضا بهلوي (1941–1979)، حافظت إيران وإسرائيل على شراكة هادئة وعملية قائمة على مصالح استراتيجية مشتركة، إذ كان لدى الشاه تمثيل "سري" في تل أبيب منذ 1961، وكان للدولة العبرية تمثيل دائم في طهران، تحوّل في مرحلة ما إلى سفارة شملت ملحقين عسكريين.
وعلى مرّ السنوات، كانت إيران تزود إسرائيل بما يصل إلى 60% من نفطها عبر خط أنابيب سري، كما كانت الدولة الأولى تستخدم إسرائيل كوسيط لبيع نفطها لدول ثالثة.
وقد تطلّب التحالف النفطي ضمان أمن طرق الشحن، مما عزز شراكتهما في مواجهة الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي حاول بناء تحالفات أيديولوجية وعسكرية معادية لإسرائيل في الشرق الأوسط، خصوصًا في دول الخليج وشبه الجزيرة العربية.
إلى جانب ذلك، كانت شركات إسرائيلية خاصة وحكومية تعمل بشكل واسع في إيران، بما في ذلك مجالات النسيج والزراعة والأجهزة الكهربائية والمياه والأسمدة والبناء والطيران والشحن والغاز والإطارات وغيرها.
وفي بعض السنوات، كانت إيران من الوجهات الرئيسية لصادرات إسرائيل، كما أن التعاون الأكاديمي بين الجامعات الإسرائيلية ونظرائها الإيرانيين كان واسع النطاق.
وعلى الصعيد الأمني، ساعد الموساد في تدريب شرطة الشاه السرية "سافاك"، كما زار قادة إسرائيليون مثل إسحق رابين وشمعون بيريس طهران لتنسيق السياسات. إذ أن كلا البلدين كان يريان نفسيهما كقوة غير عربية في المنطقة، ما عزز التعاون بناءً على اهتمامات أمنية مشتركة.
أضف إلى ذلك أن إسرائيل تحتضن، بحسب بعض التقارير، أكثر من 200 ألف يهودي من أصول إيرانية، تولّى بعضهم مناصب رفيعة في الدولة العبرية، أبرزهم شاؤول موفاز، العسكري والسياسي الذي شغل منصب رئيس أركان القوات الإسرائيلية، وموشيه كاتساف، الذي وُلِد باسم موسى قصّاب في يزد بإيران. وقد هاجر كلاهما مع أسرتيهما إلى إسرائيل في خمسينيات القرن الماضي، موفاز عام 1957 وكاتساف عام 1951.
وحتى في أواخر 1978، مع الاحتجاجات الضخمة المطالبة بإسقاط الشاه، كانت إسرائيل تأمل أن يحل نظام عسكري مكانه، على أمل الحفاظ على مصالحها في إيران. ولكن هذه الآمال لم تتحقق، مع فرار بهلوي في 16 يناير 1979، وتولي الخميني السلطة بعد أسبوع تقريبًا من عودته من المنفى.
وقد قطع الخميني علاقاته مع إسرائيل بطريقة جريئة، حيث تم تسليم السفارة الإسرائيلية السابقة في طهران لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورفع ياسر عرفات العلم الفلسطيني حيث كان علم النجمة السداسية يرفرف، ثم في ضربة واحدة، محيت عقود من التعاون السري وحلت العداوة العلنية مكانها.
رضا بهلوي
ومع إفصاح تل أبيب عن نيتها في إسقاط النظام خلال حرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو، قدّم نجل الشاه المخلوع، رضا بهلوي، نفسه كقائد مؤقت. وقال حينها في مؤتمر صحفي في باريس: "أنا هنا اليوم لأقدّم نفسي لمواطنيّ لقيادتهم نحو هذا الطريق نحو السلام والتحوّل الديمقراطي. لا أسعى إلى السلطة السياسية، بل لمساعدة أمتنا العظيمة على تجاوز هذه الساعة الحرجة نحو الاستقرار والحرية والعدالة."
ثم حين تصاعدت الاحتجاجات، صرّح بهلوي مؤخرًا بأنه يشعر بأن عودته إلى الوطن "قريبة جدًا". لكن مع أنه قد لا يبدو مرشح ترامب الأول في حال سقوط النظام فعلاً، إلا أنه من المؤكد أن نتنياهو يبادله محبة كبيرة، وشخصية حتى. إذ سافر ابن الشاه المخلوع إلى إسرائيل أكثر من مرة، بعد دعوة من نتنياهو نفسه في عام 2023.
مع ذلك، يشكك البعض في أن يكون بهلوي شخصية مرغوبة من الشعب الإيراني، إذ يقول أليكس فاتانكا، خبير الشؤون الأمنية الإقليمية في معهد الشرق الأوسط بالولايات المتحدة: "في مرحلة ما، يحتاج هذا الحراك إلى رمز سياسي كمدير، إن لم يكن شخصية يجتمع حولها الجميع. لا أحد يملك الاعتراف بالاسم والخلفية التي يقدّمها بهلوي، رغم أن أمامه طريقًا طويلًا لإقناع الكثير من المتشككين بأنه سيكون مديرًا أمينًا للانتقال إلى إيران ما بعد خامنئي."
ويرى مراقبون أن تحركات بهلوي الأخيرة على الساحة الدولية كانت قد قللت من شعبيته داخل إيران، خاصة بعد حرب الـ 12 يومًا في يونيو.
في المقابل، يقول أرشين أديب مقدم، من مركز الدراسات الإيرانية في جامعة لندن: "إن الدولة الإيرانية راسخة جدًا ومعرضة للأزمات، مؤسسيًا وأمنيًا. لذا فإن هذه المظاهرات وحدها لن تغيّر النظام. يعرف العلماء المتابعون أن معظم ما نسمعه عن إيران مجرد وهم سياسي بعيد عن الواقع على الأرض."
على صعيد آخر، يشرح فاتانكا أن نجاح الحركة يعتمد على قدرة المحتجين على الحفاظ على وجودهم في الشوارع والضغط على انشقاقات داخل النظام، إضافة إلى دور الأطراف الخارجية مثل الولايات المتحدة والشتات الإيراني في "تشكيل الأحداث" من الخارج.
وأيضًا يضيف: "السؤال ليس فقط هل يمكنهم تجاوز هذه الاحتجاجات، بل هل يمكنهم حشد القوة لاحتواء الاحتجاج القادم، الذي بلا شك على الأبواب، حتى لو فشل هذا في إسقاط النظام."