أشار القضاة في حيثيات حكمهم السابق إلى عدم وجود دليل قاطع على أن الأموال الليبية وصلت فعلياً إلى صندوق حملة ساركوزي الانتخابية، حتى لو كان التوقيت "متوافقاً" والمسارات التي سلكتها الأموال "غامضة للغاية".
يمثل الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، الاثنين، أمام محكمة الاستئناف في باريس لمحاكمة جديدة تتعلق باتهامات بالحصول على تمويل غير قانوني لحملته الانتخابية عام 2007 من نظام الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.
ويخوض ساركوزي (71 عاماً) هذه المواجهة القضائية الجديدة بعد أن أمضى 20 يوماً في سجن "لا سانتي" بباريس خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عقب إدانته في المحاكمة الأولى بالتآمر الجنائي؛ ليصبح بذلك أول رئيس فرنسي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية يُودع السجن، وأول رئيس سابق لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي يدخل خلف القضبان.
وكانت محكمة الدرجة الأولى قد أصدرت حكماً في العام الماضي بسجن ساركوزي لمدة خمس سنوات، إلا أنه أُفرج عنه في نوفمبر/تشرين الثاني بعد ثلاثة أسابيع فقط، ريثما يتم البت في استئنافه.
ووصف ساركوزي تلك الفترة بأنها "مرهقة" و"كابوس"، ونشر لاحقاً كتاباً بعنوان "يوميات سجين" يروي فيه تجربته داخل السجن، حيث وُضع في عزل انفرادي لأسباب أمنية بزنزانة فردية مساحتها 9 أمتار مربعة، مزوّدة بحمام ومرحاض خاصين.
وأدين ساركوزي في المحاكمة الماضية بتهمة التآمر الجنائي وحدها، بينما برّأته المحكمة من ثلاث تهم أخرى هي: الفساد، وإساءة استخدام أموال عامة ليبية، والتمويل غير القانوني للحملات الانتخابية.
غير أن محاكمة الاستئناف ستنظر مجدداً في جميع التهم الأربع مجتمعة، بعد أن تقدّم كل من ساركوزي والنيابة العامة بطعون؛ فقد استأنف الرئيس السابق حكم الإدانة، بينما استأنفت النيابة أحكام البراءة الصادرة بحقه.
اتهامات باتفاق سري مع نظام القذافي
وفقاً لهيئة الاتهام، فإن جذور القضية تعود إلى عام 2005 عندما كان ساركوزي وزيراً للداخلية، حيث يُتهم بعقد اتفاق مع نظام القذافي للحصول على تمويل لحملته الرئاسية الناجحة عام 2007.
وفي المقابل، كان من المتوقع أن يعمل ساركوزي على إعادة تأهيل الصورة الدولية لليبيا التي كانت تعاني عزلة دبلوماسية بسبب اتهام نظامها بالإرهاب، بما في ذلك ضلوعه في تفجير طائرة "بان أم" فوق لوكربي عام 1988.
واستمعت المحكمة في العام الماضي إلى أن النظام الليبي طالب، مقابل تمويله، بالحصول على امتيازات دبلوماسية وقانونية وتجارية. كما اتهمت النيابة أعضاء من الدائرة المقربة لساركوزي بالالتقاء بمسؤولين ليبيين في ليبيا عام 2005 لترتيب هذه الصفقة.
بعد فوز ساركوزي بالرئاسة عام 2007، دعا الزعيم الليبي إلى زيارة دولة مطوّلة إلى باريس، أقام خلالها خيمته البدوية الشهيرة في حدائق قريبة من قصر الإليزيه. لكن العلاقة شهدت تحولاً دراماتيكياً عام 2011، عندما قادت فرنسا الضربات الجوية لحلف الناتو ضد قوات القذافي، والتي أسهمت في إسقاط نظامه ومقتله على يد المقاتلين المعارضين في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.
موقف القضاء والمنظمات الحقوقية
أشار القضاة في حيثيات حكمهم السابق إلى عدم وجود دليل قاطع على أن الأموال الليبية وصلت فعلياً إلى صندوق حملة ساركوزي الانتخابية، حتى لو كان التوقيت "متوافقاً" والمسارات التي سلكتها الأموال "غامضة للغاية". غير أنهم أكدوا إدانته بالتآمر الجنائي بين عامي 2005 و2007 لأنه سمح لمساعديه المقربين بالتواصل مع مسؤولين ليبيين لمحاولة الحصول على تمويل للحملة.
من جهتها، أصدرت منظمات "شيربا" و"أنتيكور" و"شفافية دولية فرنسا" بياناً يوم الجمعة الماضي أكدت فيه أن "مكافحة الفساد ليست مجرد مسألة نزاهة، بل هي شرط أساسي لحماية سيادة القانون والحفاظ على ديمقراطية فعّالة".
ويواجه إجمالي 10 أشخاص محاكمة جديدة بالاستئناف في هذه القضية. وفي حال إدانة ساركوزي مجدداً في جميع التهم، فإنه قد يواجه عقوبة تصل إلى 10 سنوات سجناً.
من جانبه، رفض المحامي كريستوف إنغران، محامي ساركوزي، الإدلاء بأي تصريحات قبل بدء جلسات المحاكمة. يذكر أن ساركوزي أُطلق سراحه تحت إشراف قضائي يشمل حظراً على مغادرة الأراضي الفرنسية.