Newsletter الرسالة الإخبارية Events الأحداث البودكاست فيديو Africanews
Loader
ابحثوا عنا
اعلان

حظر الكحول في دمشق.. قرار يقسّم العاصمة ويشعل جدلاً حول هوية سوريا ما بعد الحرب

يدخن نادل سيجارة في أحد البارات خلال الليلة الأولى من عطلة نهاية الأسبوع في دمشق، سوريا، في وقت مبكر من يوم الجمعة 3 أكتوبر 2025.
يدخن نادل سيجارة في أحد البارات خلال الليلة الأولى من عطلة نهاية الأسبوع في دمشق، سوريا، في وقت مبكر من يوم الجمعة 3 أكتوبر 2025. حقوق النشر  AP Photo
حقوق النشر AP Photo
بقلم: Wessam Al Jurdi & يورونيوز
نشرت في
شارك محادثة
شارك Close Button

في حين تركز الأنظار على الأحياء المسيحية التاريخية، فإن تداعيات القرار تطال كامل مدينة دمشق. فالملاهي الليلية والمطاعم المنتشرة في مناطق الربوة وشارع 29 أيار وغيرها من مناطق، والتي كانت تمثل متنفساً للكثيرين، ستجد نفسها مضطرة للإغلاق أو تحويل نشاطها.

بينما لا تزال أطنان الركام تملأ شوارع دمشق وريفها بفعل الحرب، وتنتظر مئات الآلاف من العائلات السورية خططاً جادة لإعادة الإعمار وإنعاش اقتصاد منهار، انشغلت السلطات المحلية بملف مختلف تماماً: "تنظيم المشروبات الروحية".

اعلان
اعلان

قرار إداري صادر عن المكتب التنفيذي لمحافظة دمشق، لم يكتفِ بإعادة تنظيم قطاع، بل فتح نافذة على جدل هوياتي عميق في سوريا، وأثار تساؤلات عن المسار الذي ستتخذه البلاد: هل هي عودة إلى نموذج الانفتاح الذي كان يُراهن عليه، أم انزياح تدريجي نحو تشدد اجتماعي غير مسبوق؟

قرار البيروقراطية الناعمة: تقييد بالمسطرة لا بالمنع المباشر

يتجنب القرار فرض حظر كامل وصريح على الكحول، تفادياً لردود فعل محلية ودولية واسعة، ويلجأ عوضاً عن ذلك إلى "الخنق عبر التضييق الإداري". فالقرار:

  • يحصر بيع المشروبات الكحولية جغرافياً في ثلاثة أحياء فقط ذات غالبية مسيحية هي: باب توما، القصاع، وباب شرقي.
  • يشترط أن تبتعد المحلات المرخصة مسافة لا تقل عن 75 متراً عن أي دور عبادة أو مدارس، وهو شرط في مدينة عريقة ومكتظة كدمشق، يعني عملياً شطب معظم التراخيص القائمة.
  • يحوّل تراخيص "الحانات" و"النوادي الليلية" قسراً إلى تراخيص "مقاهٍ" عامة، في خطوة تمحو قطاعاً كاملاً من قطاعات السياحة والترفيه.
  • يمنع تقديم المشروبات الروحية "بالكأس" في المطاعم والمقاهي العامة، ليقتصر البيع على "المحتوى" (الزجاجات المختومة) للاستهلاك خارج المحل.

تبرر المحافظة القرار بـ"شكاوى الأهالي" واصفة بعض المظاهر بأنها "مخلة بالآداب العامة". وهي ذريعة يراها قانونيون خطيرة، لأن مفهوم "الآداب العامة" فضفاض ومتغير، وقد استُخدم تاريخياً في قضايا مختلفة.

أثير القرار على كامل العاصمة: بين الإغلاق القسري والتهريب الحتمي

في حين تركز الأنظار على الأحياء المسيحية التاريخية، فإن تداعيات القرار تطال كامل مدينة دمشق. فالملاهي الليلية والمطاعم المنتشرة في مناطق الربوة وشارع 29 أيار وغيرها من مناطق، والتي كانت تمثل متنفساً للكثيرين، ستجد نفسها مضطرة للإغلاق أو تحويل نشاطها.

يقول أحد أصحاب المحلات في ساحة المحافظة ــ فضل عدم الكشف عن اسمه ــ لـ"يورونيوز": "القرار لا يستثني أحداً. نحن خارج دمشق القديمة، وتراخيصنا أصبحت في مهب الريح. محلات بيع المشروبات المرخصة منذ عشرات السنين ستغلق أبوابها. لكن السؤال: هل سيتوقف الناس عن الشراء؟ بالتأكيد لا. التهريب سيزداد، والسوق السوداء ستزدهر، وبدلاً من أن تبقى التجارة تحت أعين الدولة وتدر ضرائب، ستدفع إلى السرية والعشوائية."

مطعم في حي باب توما بدمشق القديمة 2026
مطعم في حي باب توما بدمشق القديمة 2026 يورونيوز

ويضيف صاحب مقهى في منطقة الربوة يدعى محمد لـ"يورونيوز": "المناطق السياحية في دمشق لا تقتصر على باب توما. هناك فنادق ومطاعم راقية في كل أنحاء المدينة كانت تقدم خدمة متكاملة. اليوم، ربما ستفقد هذه المنشآت زبائنها، وستتحول دمشق من عاصمة فيها حياة ليلية إلى مدينة راكدة بعد الغروب."

هذه المخاوف تعكس مفارقة كبيرة: بدلاً من تنظيم القطاع وجعله مصدر دخل للخزينة العامة في وقت تعاني فيه البلاد من انهيار اقتصادي، فإن القرار يدفع به نحو الموت أو العمل غير القانوني، مما يعمق الأزمة ويزيد من هشاشة الوضع المعيشي.

واجهة أحد مطاعم دمشق القديمة 2026
واجهة أحد مطاعم دمشق القديمة 2026 يورونيوز

أصوات من الميدان: "نحن لسنا في حي سكني"

في الأحياء المستثناة من الحظر، لم يقابل القرار بالرضا، بل بالصدمة والغضب. ففي باب توما وباب شرقي، حيث تمتزج كنائس القرن التاسع عشر مع المقاهي العصرية، يرى أصحاب المحلات أن القرار بمثابة "حكم بإعدام" على قطاعهم.

يقول أحد أصحاب المطاعم في المنطقة ـ فضل عدم ذكر اسمه ضمن التقريرـ معبراً عن حيرته وغضبه لـ"يورونيوز": "استثنوا منطقتنا؟ نحن لا نريد استثناءً، نريد عدالة! هذه المنطقة سياحية وتصنيفها "درجة أولى" في المحافظة، وليست حياً سكنياً عادياً. بعض المحال ترخيصها بتقديم المشروبات الكحولية يزيد عمرها عن 70 سنة، كانت مقصداً للسياح والموسيقيين والسفراء. اليوم يريدون إلغاءها بجرة قلم!"

ويضيف موضحاً التناقض التاريخي: "في باب توما فقط، هناك مكانان فقط لديهما ترخيص لبيع المشروبات الكحولية منذ أكثر من 70 عاماً. اليوم يُطلب منهما إعادة الترخيص وكأنهما يمارسان عملاً غير قانوني! ماذا حدث؟ هل تغيرت دمشق فجأة؟"

أحد المطاعم في مدينة دمشق القديمة - باب توما- قبل وقت الإفطار فارغ من رواده 17 آذار 2026
أحد المطاعم في مدينة دمشق القديمة - باب توما- قبل وقت الإفطار فارغ من رواده 17 آذار 2026 يورونيوز

ويتساءل صاحب المطعم عن الدور الغائب للحكومة: "أين وزير السياحة مما يجري؟ هذا القرار يقتل السياحة المحلية والخارجية. نحن في بلد يجب أن يكون ركيزته الأساسية الحريات والانفتاح السياحي، وليس الانغلاق. إذا استمرينا بهذا الاتجاه، سنفقد السياح المحليين الذين يبحثون عن متنفس، والخارجيين الذين يأتون لرؤية وجه سوريا الحضاري. في مصر، دبي، وحتى السعودية اليوم، قطاع الترفيه مزدهر لأنه يعلم أن السياحة ليست فقط أكلًا، بل ترفيه وحياة".

ويحذر من العواقب قائلاً: "إذا طبق القرار، 200 منشأة في باب شرقي وقصاع وباب توما ستتجه للإغلاق أو العمل تحت الطاولة. بدلاً من التنظيم والجباية الضريبية، سندفع التجارة إلى السرية والتهريب. نريد إعادة نظر، أو على الأقل توضيحاً. تعلّموا من السعودية كيف طوروا سياحتهم كي لا يسافر مواطنوهم للخارج".

قراءة قانونية: "الآداب العامة" سلاح ذو حدين

من زاوية قانونية، يعلق المحامي أوراس محمد من دمشق على القرار قائلاً: "القانون استند إلى شكاوى الأهالي واعتبر المظاهر الحالية مخلة بالآداب العامة. قانونياً، هذا يفعّل المادة 517 من قانون العقوبات. لكن المشكلة أن "الآداب العامة" مفهوم نسبي، وهو مرآة متحركة للمجتمع. ما كان مقبولاً في السبعينيات قد لا يكون مقبولاً اليوم، والعكس صحيح".

ويضيف المحامي طارحاً أسئلة جوهرية: "هنا تكمن الثغرة القانونية التي يمكن الطعن بها: من هم أصحاب هذه الشكاوى؟ كم عددهم؟ وهل شكوى مجموعة صغيرة تكفي لتغيير ملامح منطقة اقتصادية وسياحية بكاملها؟ هذه الأسئلة هي التي ستمكّن المتضررين من الطعن في القرار أمام القضاء الإداري، بدعوى عدم تناسب الإجراء مع المصلحة العامة الحقيقية".

حي باب توما في دمشق القديمة 2026
حي باب توما في دمشق القديمة 2026 يورونيوز

اقتصادياً: ضرب القطاع الوحيد الذي كان صامداً

إلى جانب الجدل الحقوقي والاجتماعي، يحمل القرار تبعات اقتصادية كارثية على بلد يعيش تحت وطأة عقوبات ودمار. فقطاع الترفيه الليلي والمطاعم في دمشق كان يشغّل عشرات الآلاف (نادلين، فرق موسيقية، سائقين، موردين). وتحويل هذه المنشآت إلى مقاهٍ عادية أو إغلاقها، يعني القضاء على مصدر رزق آلاف العائلات في وقت يعتمد فيه 90% من السكان على المساعدات.

بدلاً من تنظيم هذا القطاع وتحصيل ضرائب كانت ستدعم الخزينة العامة، تدفعه القرارات الجديدة نحو الموت أو العمل غير القانوني.

هل هو مجرد قرار أم استراتيجية دولة؟

يرى مراقبون أن قرار دمشق ليس حدثاً منعزلاً، بل جزء من مسلسل طويل من "التشدد التدريجي". يصف البعض ذلك بـ"أسلوب سلق الضفدع"، حيث تُرفع درجة حرارة الماء (التقييد الاجتماعي) ببطء، حتى لا يشعر المجتمع بالخطر إلا بعد فوات الأوان.

يبدأ المسلسل بخطوات تبدو صغيرة: حصر الكحول، ثم تشديد الرقابة على الملبس والمظهر، وصولاً إلى فرض قيود على حرية الاختلاط. ويخشى سوريون من أن بلدهم، الذي كان يُرى كـ"سنغافورة الشرق" المحتملة، يُقاد ببطء نحو نموذج مغلق، تختفي فيه التعددية لصالح ثقافة وصاية واحدة.

يقف السوريون اليوم أمام مفترق طرق مصيري. القرارات الإدارية "الناعمة" كهذا القرار، ليست مجرد أوراق روتينية، بل هي لبنات تُبنى بها هوية الدولة الجديدة. وإذا تم تمرير هذا النموذج في دمشق، فسيصبح سابقة تُحتذى في باقي المدن.

فهل ستنجح دمشق في أن تكون عاصمة جامعة لكل أطياف الشعب السوري، وتستثمر في تنوعها لتعود وجهة للسياحة والثقافة، أم أن هذه القرارات ستسرع في تحويلها إلى مدينة أحادية اللون، يدفع الجميع ثمنها، بدءاً من الاقتصاد وانتهاءً بفكرة الوطن ذاتها؟.

انتقل إلى اختصارات الوصول
شارك محادثة

مواضيع إضافية

بعد الاتهامات بالتخطيط لتنفيذ "عمليات إرهابية".. حزب الله ينفي مسؤوليته عن "خلية الكويت"

"مطر من نار": ماذا نعرف عن الصواريخ الانشطارية التي تُطلقها إيران على إسرائيل؟

من وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى المدار: أبرز محطات مؤتمر نفيديا السنوي