شركات النفط في الاتحاد الأوروبي تجني أرباحا إضافية قدرها 81,4 مليون يورو يوميا بسبب ارتفاع أسعار الوقود، فيما يطالب خبراء بفرض ضريبة استثنائية عاجلة.
حكومات الاتحاد الأوروبي تواجه ضغوطا متزايدة من أجل "فرض ضرائب عاجلة على أرباح الوقود الأحفوري" لخفض فواتير الطاقة وتسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة المحلية.
أظهرت دراسة جديدة لمنظمة "غرينبيس" غير الحكومية أن عمالقة النفط في الاتحاد الأوروبي يجنون أرباحا إضافية قدرها 81,4 مليون يورو كل يوم، مع دفع الحرب ضد إيران الأسعار إلى الارتفاع الحاد. ويعادل ذلك نحو 2,5 مليار يورو من الأرباح الإضافية في شهر آذار/مارس وحده.
وكان الاتحاد الأوروبي قد حذر بالفعل من أن أسعار النفط والغاز لن تنخفض في أي وقت قريب، حتى لو انتهى النزاع في الشرق الأوسط. وطُلب منذ ذلك الحين من الدول الأعضاء أن تعرض إجراءات لخفض استخدام النفط والغاز، خصوصا في قطاع النقل.
وبحسب الدراسة، فإنه عند وتيرة الأرباح الإضافية الحالية يمكن للحكومات أن توفر 60 مليون بطاقة شهرية مجانية للنقل العام كل شهر، أو أن تمنح جميع الأشخاص الـ 40 مليونا الذين يواجهون صعوبة في دفع فواتير الطاقة في الاتحاد الأوروبي 60 يورو شهريا لتخفيف أعباء النفقات.
أي بلد سيستفيد أكثر من ضريبة على الأرباح المفاجئة؟
وبحسب "غرينبيس" (المصدر باللغة الإنجليزية)، فإن أعلى أرباح استثنائية إجمالية في الاتحاد الأوروبي منذ اندلاع الحرب ضد إيران سُجلت في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا.
وباعتبارها أكبر سوق للوقود في الاتحاد الأوروبي، تتصدر ألمانيا القائمة، وقد شهدت في آذار/مارس توسعا في هوامش الربح يفوق المتوسط لكل من الديزل والبنزين.
وأعلى زيادة في هامش الربح لكل لتر من الديزل سُجلت في هولندا والسويد والدنمارك والنمسا، بينما كانت بالنسبة للبنزين في ألمانيا والنمسا وإسبانيا والدنمارك.
وتقول أريادنا رودريغو، مسؤولة الحملات السياسية في "غرينبيس الاتحاد الأوروبي": "في وقت يموت فيه الناس في الشرق الأوسط ويكافح ملايين الأشخاص في أوروبا مع الارتفاع الصاروخي لأسعار الوقود، تترك الحكومات شركات النفط تملأ جيوبها".
وتضيف: "يتعين عليها بشكل عاجل فرض ضرائب أعلى على جميع أرباح الوقود الأحفوري واستخدام الأموال لخفض فواتير الطاقة على الناس، ونشر مصادر طاقة متجددة رخيصة وآمنة ومحلية المنشأ، ودعم المجتمعات المتضررة من انهيار المناخ".
هل يمكن للاتحاد الأوروبي خفض الضرائب على الطاقة المتجددة؟
أما الحل الطويل الأمد لخفض فواتير الطاقة، والذي يجري تطبيقه بالفعل في إسبانيا، فيتمثل في الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة المحلية، ما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد. وقد أدت الأسعار المنتفخة إلى أن يدفع الاتحاد الأوروبي مبلغا إضافيا قدره 2,5 مليار يورو في الأيام العشرة الأولى من الحرب ضد إيران.
أما الحل القصير الأمد، الذي يمكن للحكومات تطبيقه في وقت قصير جدا، فهو خفض الضرائب التي يدفعها الناس العاديون.
ففي العام الماضي، شكّلت الضرائب والرسوم 28 في المئة من متوسط فاتورة الكهرباء للمستهلك الأوروبي، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.
ويرى كثيرون أن هذا غير منصف على نحو خاص، لأن الضرائب على الكهرباء أعلى بكثير من الضرائب على الوقود الأحفوري، رغم أن هذا الأخير هو السبب الرئيس في أزمتي المناخ والتنوع البيولوجي. ففي إسبانيا، كانت الضرائب على الكهرباء أعلى بـ 4,2 مرة من الضرائب على الغاز الأحفوري في عام 2025 بينما كانت في ألمانيا أعلى بـ 3,2 مرة.
ومع تحقيق شركات النفط الخمس الكبرى أكثر من 88 مليار يورو من الأرباح في عام 2024، فإن زيادة الضرائب ستبقيها رغم ذلك في وضع مالي مريح.
الحكومات الأوروبية تبتكر طرقا ذكية لخفض الضرائب على الكهرباء
تتكوّن فاتورة الكهرباء لديك من ثلاثة أجزاء: تكلفة الطاقة، ورسوم الشبكة أو رسوم استخدام شبكة النقل، والضرائب. وكما توضح شبكة العمل المناخي في أوروبا (CAN Europe)، فإن كل عنصر من عناصر الفاتورة "يعتمد على الخيارات السياسية التي تتخذها الحكومات".
تكلفة الطاقة هي ما تدفعه ثمنا للكهرباء التي تستهلكها فعليا، وتُحددها عوامل متغيرة كثيرة مثل أسعار الكهرباء في أسواق الجملة، وتوقيت الاستهلاك خلال اليوم، والظروف الجوية. أما رسوم الشبكة أو رسوم استخدام شبكة النقل فتموّل صيانة الأعمدة والأسلاك والبنية التحتية التي توصل الكهرباء إلى منزلك أو مقر عملك، في حين تُقرر الحكومات مستوى الضرائب المضافة إلى فاتورتك.
وإذا كان أصحاب المنازل أو الشركات يدفعون ضرائب أقل، فستحتاج الحكومات على الأرجح إلى تعويض النقص في الإيرادات. وترى شبكة CAN Europe أن الحل يكمن في "إعادة توجيه العبء الضريبي بعيدا عن الكهرباء ونحو الوقود الأحفوري".
وقد نجحت بعض الحكومات بالفعل في خفض أسعار الكهرباء من خلال تعديلات في الضرائب. فألمانيا، التي تسجل أعلى فواتير للكهرباء في أوروبا، تمكنت من خفض الفواتير السنوية بنسبة 16 في المئة عبر نقل رسم مخصص لدعم الطاقة المتجددة من فواتير الكهرباء إلى الفاتورة الضريبية العامة.
أما الدنمارك فابتكرت حلا ذكيا يتمثل في جعل الكهرباء المستخدمة للتدفئة أرخص سعرا، وبذلك كافأت أصحاب المنازل والشركات الذين ركّبوا مضخات حرارية.
وبحسب تقرير صادر عن منظمة "مشروع المساعدة التنظيمية" غير الحكومية، "ترى الحكومة الدنماركية أن الإعفاء الضريبي كان مسؤولا جزئيا عن الزيادة الكبيرة في تركيب المضخات الحرارية بين عامي 2019 و2021 وفي عام 2023".
"ابدأوا بفرض الضرائب على الشركات التي تغذي أزمة المناخ"
استجابة لأزمة الطاقة الحالية، الناجمة عن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وتراجع صادرات الطاقة من الشرق الأوسط، وافقت عشرات الدول ـ بما في ذلك معظم البلدان الأوروبية ـ على الإفراج عن كميات قياسية من النفط من احتياطاتها الاستراتيجية.
وتقول فاني بتيبون، من منظمة "350.org" (المصدر باللغة الإنجليزية) البيئية، إن هذا الإجراء يشبه "وضع لصقة طبية على جرح غائر".
وتضيف: "إذا كانت دول مجموعة السبع جادة في استقرار السوق، فعليها أن تتوقف عن حماية الأرباح وأن تبدأ بفرض الضرائب على الشركات التي تغذي أزمة المناخ".
"لا ينبغي للعاملين أن يدفعوا الثمن فيما تتعامل شركات النفط الكبرى مع الحرب في الشرق الأوسط وكأنها تذكرة يانصيب رابحة".
هل تنقل شركات الوقود الأحفوري العملاقة عبء الضرائب إلى المستهلكين؟
ومن المنطقي القلق من أنه إذا تراجعت أرباح شركات الوقود الأحفوري العملاقة، مثل "أرامكو" و"غازبروم"، بسبب ارتفاع الضرائب، فإنها قد ترفع الأسعار على زبائنها لتعويض النقص، ما يؤدي في النهاية إلى فواتير أعلى للمستهلكين.
لكن تحليلا أجرته شبكة CAN Europe خلص إلى أن هذا الاحتمال غير مرجح: "تُظهر الأدلة الاقتصادية أن ضرائب الأرباح، على عكس ضرائب الاستهلاك، لا تُنقل في العادة إلى المستهلكين أو إلى شركات أخرى، لأن الأسعار تحددها بالدرجة الأولى تكاليف الوقود وتصميم السوق والقيود المرتبطة بالبنية التحتية، وليس الضرائب على الشركات. ولا توجد علاقة ذات دلالة بين ارتفاع الضرائب على الشركات وارتفاع أسعار الكهرباء في دول الاتحاد الأوروبي".
الضرائب الدائمة على الأرباح الاستثنائية هي الحل
خلال آخر صدمة كبيرة ضربت قطاع الطاقة في أوروبا، بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، أقرّ الاتحاد مساهمة سُميت "المساهمة التضامنية"، وهي ضريبة مؤقتة على الأرباح الاستثنائية للوقود الأحفوري، بهدف حماية الأسر والشركات من أسعار الطاقة التضخمية. وقد جمعت هذه الضريبة 28 مليار يورو استُخدمت في الأغلب من قبل دول الاتحاد الأوروبي لتقديم دعم مالي لمستهلكي الطاقة، ولا سيما الأسر الهشة.
ودعت العديد من المنظمات المعنية بالمناخ إلى إعادة العمل بهذه الضريبة على الأرباح الاستثنائية وجعلها دائمة، لخلق موارد مالية تقود عملية التحول إلى الطاقة النظيفة.
وتقول سيدا أورهان، رئيسة قسم الطاقة في شبكة CAN Europe: "على المدى القصير، يمكن أن يمنح خفض الضرائب على الكهرباء واعتماد تدابير دعم موجهة، تُموَّل من خلال فرض الضرائب على الأرباح الفائضة التي تحققها صناعة الوقود الأحفوري، فسحة من الوقت للناس. لكن على المدى البعيد، ينبغي فرض ضرائب دائمة على أرباح الوقود الأحفوري، واستخدامها في تحصين نظام الطاقة في أوروبا للمستقبل عبر الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والشبكات، وعمليات الكهربة".