لا تقتصر تداعيات شحّ قطع الغيار والزيوت على السائقين وأصحاب المركبات التجارية، بل تمتد لتضرب منظومة الإنقاذ والإسعاف مع كل ما يعنيه هذا من عواقب على جهود التكفل بالمرضى والمصابين ونقلهم إلى المستشفى.
في ظل التفاهمات المرتبطة بوقف إطلاق النار المعلنة في أكتوبر 2025، والتي تنصّ على إدخال نحو 600 شاحنة يومياً إلى قطاع غزة، تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إلى أن الالتزام الفعلي بهذا المستوى لا يتجاوز 38%.
وفي ظل هذا الشح الكمّي، تبقى قطع غيار السيارات خارج أولويات ما يُسمح بدخوله. فمن بين أكثر من ثلاثة آلاف شاحنة تجارية وإغاثية دخلت القطاع منذ بدء وقف إطلاق النار، لم تُخصَّص لقطع الغيار سوى شاحنة واحدة، وفق البيانات ذاتها، وهو ما يعكس محدودية إدراج هذا القطاع ضمن السلع المسموح بإدخالها.
وعود اتفاق إطلاق النار وتحديات الواقع
على الأرض، تُترجَم هذه الأرقام إلى سيارات متوقفة ومحركات معطّلة. محمود سامي، صاحبُ شركة حافلات في منطقة المغازي وسط قطاع غزة، يصف الواقع قائلا: "الباصات قاعدة والسيارات كمان قاعدة، لا فيه كوشوك(إطارات) عندنا ولا فيه بطاريات ولا فيه زيوت."
كانت باصات محمود تعمل في التنقلات اليومية والمناسبات، لكنها توقفت مع ارتفاع تكلفة التشغيل إلى مستويات غير مسبوقة، إذ بلغ سعر إطار الحافلة الواحدة في بعض الحالات نحو 20 ألف شيكل، فيما وصل سعر البطارية إلى 15 ألف شيكل أو أكثر، وفق إفادات ميدانية. ويضيف أن بعض السائقين اضطروا إلى نقل الإطارات بين المركبات لتشغيل ما يمكن تشغيله منها، في ظل عدم القدرة على شراء قطع جديدة.
إطارات بأسعار خيالية: رحلة البحث عن "كوشوك" مفقود
تكشف المقارنة بين ما قبل السابع من أكتوبر 2023 وما بعده عن تراجع مزدوج في السوق، من حيث التوفر وارتفاع الأسعار. وبذلك لم تعد المشكلة في ارتفاع الأسعار فقط، بل في تحوّل السوق من وفرة نسبية قبل الحرب إلى نقص حاد يقيّد القدرة على التشغيل من الأساس.
محمد عماد، ميكانيكي من مخيم النصيرات، يقول إن تكلفة الإصلاح الشامل للسيارة التي كانت تتراوح بين 2000 (664 دولارا) و2500 شيكل (832 دولارا)، تجاوزت اليوم 17 ألف شيكل (أكثر من 5 659 دولارا). ويشير عماد إلى أن تكلفة الصيانة باتت مرتبطة بشكل مباشر بعمل المعابر، موضحاً أن انقطاع الإمدادات هو العامل الحاسم في ارتفاع الأسعار وتراجع توفر القطع. أما زيت المحرك، فقد ارتفع سعر اللتر من نحو 300 شيكل (100 دولار تقريبا) إلى أكثر من 1000 شيكل (332 دولارا)، مع تسجيل تذبذبات حادة خلال فترات الحرب. وبذلك، فإن سيارة من نوع “جيب” تحتاج إلى نحو 8 لترات من الزيت، ما يعني تكلفة تصل إلى 8000 شيكل (2 663 دولارا) لعملية تغيير واحدة فقط.
صيانة السيارة "رفاهية" قد تُكلف ثمن شراء منزل في ظل غياب الرقابة
وتُظهر إفادات عاملين في القطاع أن سعر محرك السيارة الكامل ارتفع من نحو 6000 شيكل قبل الحرب إلى قرابة 28 ألف شيكل، فيما يُباع إطار الحافلة المستعمل بنحو 20 ألف شيكل. كما قفزت أسعار قطع أخرى من نحو 350 شيكلاً إلى أكثر من 1000 شيكل، في ظل نقص حاد في المعروض.
يرى الاقتصادي أحمد أبو قمر أن منع إدخال قطع الغيار خلال الحرب، ثم السماح بدخولها بكميات محدودة دون تنظيم فعّال، أفسح المجال أمام السوق السوداء للتحكم بالأسعار. ويضيف، في حديث هاتفي، أن هذه الاختلالات انعكست مباشرة على المواطنين، خصوصاً في قطاع المواصلات، حيث ارتفعت تكلفة التنقل بين مخيمات المنطقة الوسطى من شيكل واحد إلى خمسة شيكلات، فيما بلغ خط غزة–خانيونس نحو 20 شيكلاً بعد أن كان لا يتجاوز خمسة.
بدوره، يقول رئيس مجلس إدارة جمعية قطع غيار السيارات رشدي الخور إن الكميات التي تدخل إلى القطاع لا تغطي أكثر من 5% من احتياجات السوق، مشيراً إلى أن معظم القطع المتوفرة غير أصلية ولا تخضع لرقابة فنية كافية.
اليأس يدفع لاستعمال قطع غيار منتهية الصلاحية وزيوت محروقة لتفادي التوقف
هذا الواقع دفع العاملين في القطاع إلى البحث عن حلول مؤقتة. ويقول عماد: "لا يوجد قطع جديدة، لذلك نضطر لاستخدام القطع القديمة وإعادة تشغيلها بأقل الإمكانيات." كما يلجأ بعض السائقين إلى استخدام قطع غير مطابقة للمواصفات، ما يثير مخاوف تتعلق بالسلامة المرورية، خاصة في ظل تضرر البنية التحتية للطرق. ويحذر مختصون من أن استخدام هذه القطع، خاصة في أنظمة الفرامل والإطارات، قد يرفع من احتمالات الحوادث.
ولا تقتصر الأزمة على قطع الغيار، بل تمتد إلى مواد مرتبطة بها، مثل دهانات السيارات. ويقول خالد النعامي، صاحب ورشة دهان في المغازي، إن الورش باتت تعتمد على مواد بديلة أو منتهية الصلاحية، في محاولة للإبقاء على الحد الأدنى من العمل، رغم تأثير ذلك على جودة الخدمة. ويضيف أن ألواناً كانت تُباع بنحو 150 شيكلاً (50 دولارا تقريبا) ، وصل سعر الكيلو الواحد منها إلى 3500 شيكل (1 165 دولارا)، مع اعتماد السوق حالياً على مواد قديمة ومنتهية الصلاحية.
الإسعاف والدفاع المدني: آخر خط الإنقاذ يتهاوى وتحذيرات من كارثة
لا تقتصر تداعيات شحّ قطع الغيار والزيوت على السائقين وأصحاب المركبات التجارية، بل تمتد لتضرب منظومة الإنقاذ والإسعاف.
حذّر الناطق باسم جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، الرائد محمود بصل، من أن القدرة التشغيلية للجهاز تراجعت إلى نحو 10% فقط من طاقته الأصلية، مشيراً إلى أن مدينة غزة لا تضم سوى ثلاث مركبات من إطفاء وإسعاف وإنقاذ، بحيث إن توقفت مركبة الإطفاء فهذا يعني توقف هذه الخدمة في المدينة بأكملها.
وتعكس البيانات تصاعداً تدريجياً في حجم التراجع، إذ أعلن الدفاع المدني في أغسطس 2025 عن توقف 60% من مركباته في محافظات القطاع لعدم توفر الوقود وقطع الغيار، فيما كان قد أعلن في يوليو من العام ذاته توقف جميع مركباته في محافظتي غزة والشمال باستثناء مركبة إطفاء واحدة. وفيما يتعلق بالإسعاف، توقفت ثلاث مركبات إطفاء من أصل ستة، وأربع مركبات إسعاف من أصل ستة كانت تخدم المحافظات الجنوبية.
كما كشف الجهاز أن الطواقم اضطرت أحياناً لاستخدام زيوت محروقة كحل مؤقت، رغم ما يسببه ذلك من أضرار كبيرة للمحركات وتقليص عمرها التشغيلي. وفي حال تفاقم الأزمة، قد تضطر الطواقم إلى التوجه لمواقع الاستهداف سيراً على الأقدام أو باستخدام مركبات مدنية.
على صعيد الهلال الأحمر الفلسطيني، حذّر مدير الإعلام في غزة رائد النمس من كارثة صحية وشيكة في ظل نفاد الوقود وغياب قطع غيار سيارات الإسعاف.
وفي السياق القانوني، اعتبر مركز غزة لحقوق الإنسان أن منع إدخال الزيوت الصناعية وقطع الغيار تحت تصنيف "المواد مزدوجة الاستخدام" يشكل إخلالاً بالمادة 59 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تلزم قوة الاحتلال بتسهيل مرور الإمدادات الإنسانية.
وخلال عام 2025، دمّرت الحرب 23 مركبة تابعة للدفاع المدني، فيما تعرّضت 211 سيارة إسعاف لأضرار، وفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
مشهد بلا أفق قريب
في ظل استمرار القيود على إدخال السلع، ووصول المساعدات إلى نحو 38% فقط من المستويات المتفق عليها، تبقى أزمة قطع غيار السيارات مرشحة للتفاقم، في وقت يعتمد فيه السكان على وسائل نقل محدودة لتسيير حياتهم اليومية.
ويحذّر اقتصاديون من أن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى شلل شبه كامل في قطاع النقل والخدمات، بما ينعكس على قدرة السكان على الوصول إلى المستشفيات والأسواق ومصادر العمل.
ولم يتسنّ الحصول على تعليق من السلطات الإسرائيلية بشأن القيود المفروضة على إدخال قطع غيار السيارات إلى قطاع غزة.