توفر بعض السلع في الأسواق لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية للسكان، فكثير من العائلات باتت تتجنب الإنفاق على السلع غير الأساسية وتؤجل شراء الملابس، مع إعطاء الأولوية لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية.
بعد أكثر من عامين من الحرب، ترزح أسواق العيد في غزة بين فكّي كماشة: وفرةٌ محدودة وقدرةٌ شرائية منهكة..
يتجول كثير من سكان قطاع غزة بين المحال والبسطات بحثاً عن ملابس العيد، لكن معظمهم يكتفي بتفحّص الأسعار دون شراء، في مشهد يعكس واقعاً اقتصادياً صعباً بعد أكثر من سنتين من الحرب التي أنهكت السوق والقدرة الشرائية للسكان.
بين الفرجة والشراء
قبل أكتوبر 2023، كانت أسواق غزة في الأيام التي تسبق عيد الفطر تعجّ بالمتسوّقين، وتبقى المحال مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل، فيما كان الباعة يشكون من الازدحام لا من الكساد. أما اليوم، فتبدو الصورة مختلفة، إذ يتجوّل كثير من المواطنين بين المحالّ بحثاً عن اقتناء بعض من احتياجاتهم، لكنهم يغادرون غالباً دون شراء.
وتشير تقديرات مكتب الإعلام الحكومي في غزة إلى أن البضائع المتوفّرة في الأسواق لا تغطي سوى نحو 30% من احتياجات القطاع، فيما يتركز معظم ما يدخل عبر المعابر على الموادّ الغذائية والمساعدات الإنسانية، مع استمرار القيود على إدخال العديد من المواد الخام اللازمة للإنتاج المحلي.
وفي أسواق مخيم النصيرات وسط القطاع، تبدو المحال أكثر تنوّعاً مقارنة بالعام الماضي مع دخول بعض البضائع خلال الأشهر الماضية، إلا أن الكميات المتوفرة ما تزال محدودة مقارنة بحجم الطلب.
وتقول ليلى مساعد، وهي من سكان مخيم النصيرات، إن الظروف المعيشية ازدادت صعوبة خلال السنوات الأخيرة، مشيرة إلى أن ارتفاع الأسعار وقلة فرص العمل جعلا شراء احتياجات العيد أمراً شاقّاً لكثير من العائلات.
وتضيف أن كثيراً من العائلات تعيش اليوم دون مصدر دخل ثابت، فيما تعاني من ارتفاع أسعار السلع الأساسية وحتى الأدوية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات اليومية تحدياً مستمراً.
أرقام كارثية: انكماش الناتج المحلّي بنسبة 84% والبطالة تكسر حاجز الـ 75%
تعكس هذه المشاهد واقع الاقتصاد في قطاع غزة الذي تعرض لانكماش غير مسبوق خلال الحرب. فبحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وتقارير دولية، تراجع الناتج المحلي الإجمالي في القطاع بنحو 84% مقارنة بمستواه قبل الحرب عام 2023، في مؤشّر على حجم التراجع الكبير الذي أصاب مختلف الأنشطة الاقتصادية.
كما تشير بيانات مؤسسات دولية إلى أن معدل البطالة في غزة تجاوز 75% بعدما فقد عشرات الآلاف من العمال وظائفهم نتيجة تدمير المصانع وتعطل الأنشطة الاقتصادية.
وفي السياق ذاته، أفاد مكتب الإعلام الحكومي في غزة بأن نحو 60% من المباني في القطاع دُمّر كليا أو جزئيا خلال الحرب، بما في ذلك عدد كبير من المنشآت الاقتصادية والأسواق.
كما يشير المكتب إلى أن نحو 80% من المنشآت الاقتصادية في القطاع تعرّضت للتدمير الكلي أو الجزئي، الأمر الذي أدى إلى شلل واسع في قطاعات الصناعة والتجارة والخدمات.
من جهتها، تقول تهاني فرج الله من النصيرات إن كثيراً من المواطنين يدخلون الأسواق ويتفحصون البضائع لكنهم يغادرون دون شراء بسبب ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية.
وتضيف أن حركة السوق هذا العام تبدو أفضل قليلاً مقارنة بالعامين الماضيين مع دخول بعض المساعدات والبضائع، لكن كثيراً من العائلات ما تزال غير قادرة على شراء احتياجات العيد.
إسلام حمدونة فلسطينية نازحة من شمال القطاع تقول ليورونيوز إن الأوضاع الاقتصادية ما تزال صعبة على السكان، مشيرة إلى أن كثيراً من العائلات تعاني من الغلاء وصعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية.
وتضيف المتحدثة أن ارتفاع الأسعار يجعل حتى شراء الطعام أمراً صعباً بالنسبة لبعض الأسر، في ظل قلة فرص العمل وتراجع مصادر الدخل.
أما مرام ناصر، التي نزحت خلال الحرب وتعيش حالياً في جنوب القطاع، فتقول إن السنوات الماضية كانت مليئة بالمعاناة والتنقل بين مناطق مختلفة بعد تدمير المنازل.
وتشير إلى أن كثيراً من العائلات ما تزال تعيش في خيام وتعاني من ظروف معيشية صعبة، بينما تبقى الأسعار المرتفعة في الأسواق عائقاً أمام شراء احتياجات العيد.
موسم العيد ومحاولة تحريك السوق
ورغم هذه الظروف، يأمل أصحاب المحال والبسطات أن يسهم موسم العيد في تحريك السوق ولو بشكل محدود. ويقول سامي اللداوي أحد التجار في سوق النصيرات إن دخول بعض السلع المستوردة خلال الأشهر الماضية أدى إلى تنوع نسبي في المنتجات، ما ساهم في انخفاض محدود للأسعار مقارنة بالفترات السابقة.
لكن الحركة التجارية ما تزال دون المستوى المعتاد لموسم العيد، إذ يفضل كثير من المواطنين الاحتفاظ بما لديهم من أموال تحسباً لأي طارئ، في ظل حالة من الترقب لما قد تشهده الأوضاع خلال الفترة المقبلة.
بضائع مكدّسة في المخازن أو عالقة على المعابر: تجار الألبسة يحذرون من "ضربة قاضية"
في هذا السياق، حذر حسام الحويطي، عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية - نقابة تجار الألبسة، من خسائر كبيرة قد يتكبدها التجار في حال استمرار إغلاق المعابر قبيل عيد الفطر.
وقال الحويطي إن كميات كبيرة من الملابس والأحذية المخصصة لموسم العيد ما تزال مكدّسة على المعابر وفي مخازن بالضفة الغربية، مشيراً إلى أن استمرار الإغلاق يحول دون إدخالها إلى القطاع في الوقت المناسب.
وطالب المجتمع الدولي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بالضغط من أجل فتح المعابر والسماح بدخول البضائع، مؤكداً أن موسم العيد يمثل أحد أهم المواسم التجارية التي يعتمد عليها التجار لتعويض جزء من خسائرهم خلال السنوات الماضية.
إنفاق حذر: لماذا يفضل الغزيون "الادخار للطوارئ" بدلاً من شراء الملابس؟
بدوره، يقول الخبير الاقتصادي ماهر الطباع إن الأسواق في غزة تشهد حالة من الترقب مع اقتراب العيد، في ظل استمرار نقص السيولة وارتفاع الأسعار.
ويضيف أن توفر بعض السلع في الأسواق لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية للسكان، مشيراً إلى أن كثيراً من العائلات باتت تتجنب الإنفاق على السلع غير الأساسية وتؤجل شراء الملابس، مع إعطاء الأولوية لتأمين الغذاء والاحتياجات الأساسية.
وفي ظل هذا الواقع الاقتصادي الصعب، يبدو موسم العيد في غزة مختلفاً عن الأعوام التي سبقته، إذ تحاول العائلات الحفاظ على مظاهر العيد بحدها الأدنى، بينما لا تزال آثار الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد والحياة اليومية في القطاع.