برزت تداعيات الضربات الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت مناطق عدة في لبنان أمس، وأسفرت عن مئات القتلى والجرحى ودمار واسع في الأحياء السكنية، لتُشعل جدلًا حادًا بين اللبنانيين، ولا سيما حول مسؤولية حزب الله من عدمها في إدخال البلاد في الحرب.
رغم أن هذا الجدل يبدو مرتبطًا باللحظة الراهنة، إلا أنه في جوهره امتداد لطبيعة لبنان المعقّدة، التي تتسم بتعدد المذاهب والأحزاب، وبذاكرة مثقلة بأحداث طائفية سابقة وحرب أهلية لا تزال تداعياتها حاضرة في الوعي الجماعي وعلى الأرض أيضا.
وقد انقسمت الآراء على مواقع التواصل الاجتماعي بين من حمّل حزب الله مسؤولية الضربات الإسرائيلية، ومن اعتبر أن "الجرائم" بحقّ المدنيين هي من فعل الدولة العبرية، وفق قولهم، مشدّدين على ضرورة استمرار الحزب كحركة "مقاومة" في لبنان.
نشر أحد المستخدمين مقطع فيديو لغارة في بيروت على منصة "إكس"، معتبرًا أن حزب الله "دمّر لبنان من أجل طهران"، ليردّ عليه آخر بالقول إن "إسرائيل هي التي دمّرت لبنان وليس حزب الله".
كما برزت مواقف أخرى ترفض تحميل حزب الله مسؤولية الغارات ولا تقبل أي مبرّرات لما تقوم به إسرائيل من "قتل للمدنيين". وقد وجدت هذه المواقف من يردّ عليها بالقول إن ما تقوم به إسرائيل هو نتيجة "سلاح ميليشيا إيرانية في لبنان ولا تعترف بالدولة اللبنانية وتشعل الحرب كلما طلبت منها إيران"، وفق تعبيرها.
وبين هذا وذاك، اعتبرت أطراف أخرى أن "إسرائيل وحزب الله معًا يتحملان المسؤولية"، وسط دعوات إلى البحث عن "حلّ جذري بدل إنكار المسؤولية الداخلية".
في المقابل، برز خطاب مختلف يدعو إلى الفصل بين الخلاف السياسي والبعد الإنساني، إذ اعتبر بعض اللبنانيين أن الانحياز يجب أن يكون للمدنيين، بعيدًا عن الاصطفافات الطائفية والتجاذبات الحزبية.
وجاء في أحد المنشورات: "أنا لست مع حزب الله، لكن كيف يمكنني أن أكون ضدّ أطفال بيروت الذين قُتلوا بصواريخ إسرائيل؟ وكيف أكون ضد النساء اللواتي قُتلن "ع بسطات الخضرة"، أو الرجال الذين كانوا يسعون لتأمين قوت يومهم؟ يمكننا أن نختلف سياسيًا، لكن علينا أن نتفق إنسانيًا".
جدلٌ حول مسألة المفاوضات
في خضم هذا الانقسام، برزت أيضًا سجالات حول ملف المفاوضات، وحقّ الدولة اللبنانية في تمثيل نفسها. وقد كتب الصحافي طوني بولس أن "الأغلبية الساحقة من اللبنانيين ترفض أن يكون لبنان جزءًا من أي اتفاق وقف إطلاق نار إيراني–أمريكي لا يجلس فيه لبنان على الطاولة"، مؤكدًا أن "لبنان ليس ورقة تفاوض بيد إيران، بل دولة يجب أن تكون المرجعية الوحيدة لأي اتفاق" وفق تعبيره.
غير أن هذا الطرح قوبل عند البعض بردود فعل مشكّكة في جدوى تمثيل الدولة، إذ اعتبر بعضهم أن وجود شخصيات رسمية مثل رئيس الجمهورية جوزيف عون أو رئيس الحكومة نواف سلام على طاولة المفاوضات "لن يقدّم أو يؤخّر"، مشيرين إلى أن القرار الفعلي بوقف الحرب أو استمرارها هو بيد حزب الله.
وكان الرئيس جوزيف عون قد أكد الخميس أن الجهود مستمرة، بالتنسيق مع رئيس الحكومة، لحشد دعم دولي يتيح إدراج لبنان ضمن أي اتفاق مرتقب لوقف إطلاق النار، تمهيدًا لانخراط بيروت في مسار تفاوضي.
وشدد عون على أن الدولة اللبنانية وحدها الجهة المخوّلة إجراء أي مفاوضات، رافضًا بشكل قاطع أن يتولى أيُّ طرف آخر هذا الدور.
وتتجاوز هذه السجالات بُعْدها الآني، لتندرج ضمن سياق أوسع من الانقسامات التي تغذّيها الحرب. ففي ظل صراع إقليمي واندلاع المواجهة الأخيرة حين شنّ حزب الله هجمات ضد إسرائيل دعمًا لإيران، عادت التوترات الطائفية إلى الواجهة، مع تصاعد خطاب الكراهية والتحريض، ما يثير مخاوف من تداعيات أمنية قد تمتد إلى الداخل اللبناني.
ويشعر جزء من اللبنانيين بأنهم زُجّوا في هذه الحرب دون رغبتهم، خصوصًا مع ربط اندلاعها بإطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل، في وقت تعجز فيه الدولة عن تلبية الاحتياجات الأساسية لأكثر من مليون نازح، رغم تحويل أكثر من ألف مدرسة إلى مراكز إيواء.
وفي موازاة ذلك، يتعمّق الانقسام داخل النظام السياسي نفسه، إذ اتخذت حكومة نواف سلام، بالتعاون مع الرئيس عون، خطوات تمثلت في حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله، ومحاولة طرد سفير طهران لدى بيروت احتجاجًا على ما وُصف بالتدخل الإيراني في شؤون لبنان. في المقابل، كان ردّ الحزب واضحا وهو رفض نزع السلاح، والتحذير من مغبّة حدوث تصعيد وتداعيات تهدد السلم الأهلي في بلد مُثقل بالاحتقان الطائفي وبسنوات الحرب الأهلية التي لا تزال نُدوبُها حاضرة في الأذهان والجدران.