بحسب التحليل، فإن هذا الاتفاق أتاح لطهران كسب الوقت وتعزيز مواردها، إلى جانب اكتساب قدر من الشرعية الدولية، استُخدم لاحقاً لتعزيز نفوذها الإقليمي وتشديد قبضتها الداخلية.
غادرت الولايات المتحدة وإيران العاصمة الباكستانية إسلام آباد دون التوصل إلى اتفاق، بعد أكثر من 20 ساعة من المفاوضات المكثفة التي انتهت بتبادل الاتهامات بين الطرفين.
واشنطن حمّلت طهران مسؤولية الفشل بسبب رفضها تقديم التزامات قابلة للتنفيذ بشأن برنامجها النووي، فيما اعتبرت إيران أن المطالب الأمريكية كان مبالغاً فيها وأن المفاوضات افتقرت إلى الجدية وحسن النية.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، دعت باكستان، التي استضافت المحادثات، الطرفين إلى الالتزام بوقف إطلاق النار الهش الممتد لأسبوعين، وسط مخاوف من انهياره في أي لحظة.
وفي قراءة تحليلية لهذا المشهد، ربطت صحيفة "جيروزاليم بوست" بين فشل المفاوضات الأخيرة في إسلام آباد وبين تعقيدات أعمق تحكم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرة أن ما جرى لا يمثل مجرد تعثر تفاوضي عابر، بل انعكاس مباشر لأزمة ممتدة يصعب احتواؤها باتفاق مؤقت أو هدنة قصيرة.
ظلال اتفاق 2015: ذاكرة لم تغب عن الطاولة
تؤكد الصحيفة أن المشهد التفاوضي الحالي لا يمكن فصله عن إرث الاتفاق النووي لعام 2015، الذي لا يزال يلقي بظلاله على أي محاولة جديدة للتفاهم، فـ"خطة العمل الشاملة المشتركة" التي أبرمت في عهد أوباما منحت إيران آنذاك تخفيفاً للعقوبات دون أن تغيّر سلوكها الاستراتيجي، وهو ما تعتبره دوائر أمريكية وإسرائيلية خطأً لا ينبغي تكراره.
وبحسب التحليل، فإن هذا الاتفاق أتاح لطهران كسب الوقت وتعزيز مواردها، إلى جانب اكتساب قدر من الشرعية الدولية، استُخدم لاحقاً لتعزيز نفوذها الإقليمي وتشديد قبضتها الداخلية.
معضلة واشنطن: بين الحرب والدبلوماسية
ترى الصحيفة أن دخول الولايات المتحدة في مفاوضات مع إيران بعد أكثر من شهر من الضربات العسكرية يطرح إشكالية تتعلق بالرسائل السياسية، فبينما يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه للشعب الإيراني، فإن القبول بوقف إطلاق النار والانخراط في محادثات قد يُفسَّر على أنه منح النظام فرصة للبقاء، حتى وإن كان في حالة ضعف.
وأشارت الصحيفة أن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس عبّر بوضوح عن هذا التوجه، معتبراً أن فشل المفاوضات يمثل خسارة أكبر لإيران، مؤكداً أن البرنامج النووي سيبقى الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه، من جانبها، قالت طهران إن عقوداً من الصراع لا يمكن حلها في جلسة واحدة، وأن المحادثات لم تُمنح فرصة حقيقية للنجاح.
مضيق هرمز: العقدة التي تعرقل أي اتفاق
ووفقاً لـ "جيروزاليم بوست" يبرز مضيق هرمز كواحد من أعقد الملفات في هذا الصراع، فإيران وبحسب الصحيفة تسعى إلى فرض سيطرة أكبر على الممر البحري الحيوي، بما يشمل فرض رسوم عبور وتوسيع نطاق وقف إطلاق النار ليشمل لبنان، في المقابل، تتمسك الولايات المتحدة بضمان حرية الملاحة وتفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية بشكل نهائي.
ورغم عبور عدد محدود من ناقلات النفط، لا تزال مئات السفن عالقة في مياه الخليج، ما يعكس حجم التوتر وعدم اليقين في هذا الشريان الحيوي للاقتصاد العالمي.
وفي تصريح لافت، أشار ترامب إلى أن التوصل إلى اتفاق ليس ضرورة ملحة، مؤكداً أن الولايات المتحدة حققت أهدافها بالفعل، غير أن هذا الموقف، الذي يبدو مريحاً في الداخل الأمريكي، يختلف في انعكاساته على دول المنطقة التي تواجه تداعيات مباشرة لأي تصعيد أو تهدئة.
على الجانب الإسرائيلي، شدد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على أن المواجهة مع إيران لا تزال مفتوحة، ورغم إقراره بضعف إيران داخلياً، إلا أنه حذر من استمرار خطورتها، مؤكداً أن التدخلات العسكرية الإسرائيلية كانت حاسمة في منع طهران من الوصول إلى السلاح النووي.
هدنة خارجية..وتصعيد داخلي
تشير الصحيفة إلى وجود نمط متكرر في ما وصفته بـ "سلوك النظام الإيراني"، يتمثل في استغلال فترات التهدئة الخارجية لتعزيز السيطرة داخلياً، فمع تراجع الضغط العسكري، تتجه السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية وقمع المعارضة.
وقد ظهرت مؤشرات ذلك مؤخراً، مع دعوات قضائية لتسريع تنفيذ الإعدامات، وتصريحات من الحرس الثوري تؤكد نهاية "مرحلة التسامح"، في رسالة واضحة إلى الداخل الإيراني.
وتشير "جيروزاليم بوست" في تحليلها إلى أن قوى المعارضة الإيرانية لا تنظر إلى وقف إطلاق النار باعتباره حلاً، بل مجرد استراحة مؤقتة، وتحذر من أن أي تخفيف للضغوط الدولية سيعيد إنتاج السيناريو ذاته، حيث يُترك الشعب الإيراني وحيداً في مواجهة تداعيات سياسات النظام.
ويخلص التحليل إلى أن جوهر الأزمة لا يكمن في تفاصيل التفاوض بقدر ما يرتبط بطبيعة النظام الإيراني نفسه، القائم على المواجهة المستمرة مع الغرب وقمع الداخل، وبالتالي، فإن أي اتفاق أو هدنة لن يفضي إلى تغيير حقيقي ما لم يتغير هذا الأساس.