لم يكن اللقاء الذي جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين مجرد محطة بروتوكولية ضمن جدول دبلوماسي مزدحم، بل بدا، وفق قراءة خبراء لغة الجسد، محمّلاً بالإشارات السياسية والنفسية التي عكست طبيعة العلاقة المعقدة بين واشنطن وبكين.
وصل ترامب، الخميس، إلى العاصمة الصينية وسط استقبال وصفته وسائل إعلام بـ"الإمبراطوري"، بعدما اجتاز موكبه ساحة تيانانمن بين صفوف الجنود الذين أدوا حركات عسكرية متزامنة على وقع دوي المدافع، في مشهد أرادت بكين من خلاله إظهار ثقل المناسبة وحجم الرسائل السياسية المحيطة بها.
وفي هذا السياق، قالت خبيرة لغة الجسد جودي جيمس، في تصريحات لصحيفة "ديلي ميل"، إن المصافحة بين الرجلين لم تكن عابرة، بل كشفت "توازنات القوة الحقيقية" بينهما، معتبرة أن ترامب أفصح عن شخصيته منذ اللحظة الأولى التي التقت فيها عيناه بعيني شي، عبر ما وصفته بـ"ابتسامة الضفدع المنتفخ".
وفي قراءة لتفاصيل اللحظة، أوضحت جيمس أن ترامب كان المبادر بالمصافحة رغم أن شي هو المضيف، مضيفة: "ترامب هو من مدّ يده أولاً، مع إمالة كفه إلى الأعلى، من مسافة عدة خطوات. الشخص الذي يبدأ بالمصافحة يشعر مبكراً بإحساس السيطرة، ولهذا يكون المضيف عادة هو من يبادر".
"ربتات" ترامب ورسائل الهيمنة
استمرت المصافحة بين الزعيمين نحو عشر ثوانٍ، فيما تبادل الطرفان تواصلاً بصرياً لافتاً، بينما منح ترامب نظيره الصيني سلسلة من الربتات الصغيرة والمتعمدة على اليد، قالت جيمس إنها حملت دلالات دبلوماسية واضحة.
وأضافت: "خلال اهتزاز اليدين، ربت ترامب مرتين في البداية، ثم ثلاث مرات إضافية، مع إطالة الربتة الأولى من المجموعة الثالثة، في خطوة توحي بمحاولة ترسيخ العلاقة وإظهار التقارب".
لكن جيمس رأت أن الأجواء لم تصل إلى مستوى الدفء الذي طبع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين العام الماضي، مشيرة إلى أن ترامب استخدم "تواصلاً بصرياً قوياً بدا أقرب إلى الاستفسار والتقييم"، من دون "روح الدعابة أو الحيوية المرحة" التي ظهرت خلال لقاءات بوتين وشي.
ويُعد هذا اللقاء الأول المباشر بين ترامب وشي منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/ شباط، وهي الحرب التي دفعت أسعار النفط العالمية إلى مستويات قياسية، وأعادت خلط الحسابات السياسية والاقتصادية على الساحة الدولية.
وعلى هامش الاستقبال الرسمي، انكسرت الصرامة البروتوكولية نسبياً عندما استقبل أطفال يلوّحون بالأعلام ترامب الذي ظهر مبتسماً وصفّق لهم، قبل أن يبدأ باستخدام "ربتات ودية ومقرّبة" على ذراع شي أثناء سيرهما معاً، في محاولة لتعزيز صورة الصداقة بينهما، بحسب جيمس.
"فخ ثوسيديديس" وترتيبات غير معتادة
في داخل قاعة الشعب الكبرى، افتتح شي جين بينغ المحادثات بإشارة وصفت بالمقلقة إلى ما يُعرف بـ"فخ ثوسيديديس"، وهو المفهوم الذي استخدمه المؤرخ اليوناني القديم لوصف خطر الصدام بين قوة عالمية مهيمنة وأخرى صاعدة.
وقال شي مخاطباً ترامب: "لقد وصل العالم إلى مفترق طرق جديد. هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز فخ ثوسيديديس وخلق نموذج جديد؟".
وخلال القمة التي استمرت ساعتين، حذّر الرئيس الصيني من أن "سوء التعامل" مع ملف تايوان قد يؤدي إلى "صدام أو حتى نزاع" بين الولايات المتحدة والصين، ما سيدفع العلاقة بين البلدين إلى "وضع شديد الخطورة"، وفق ما نقلته قناة "سي سي تي في" الرسمية.
في المقابل، أغدق ترامب المديح على مراسم الاستقبال قبل بدء القمة المغلقة، واصفاً إياها بأنها "شرف لم يشهده سوى قلة"، وقال مخاطباً شي: "إنه لشرف أن أكون معك، وشرف أن أكون صديقك، والعلاقة بين الصين والولايات المتحدة ستكون أفضل من أي وقت مضى".
أما قاعة الاجتماع نفسها، فرأت جودي جيمس أنها حملت رسائل سياسية خاصة، موضحة أن القاعة بدت ضخمة، لكن ترتيب الطاولات جاء "حميمياً نسبياً" مقارنة بالمعايير المعتادة للحكومة الصينية، ما أوحى برغبة شي في إجراء نقاشات مباشرة وعملية وجهاً لوجه، بحسب تعبيرها.
وأضافت أن طريقة جلوس ترامب كشفت بدورها عن أسلوبه في إدارة المواجهة، قائلة إنه اتخذ "وضعية رجل قوي ومهيمن"، بدا خلالها مسترخياً لكن جاداً، إذ جلس منحنياً إلى الأمام مع إخفاء يديه تحت الطاولة.
وكان من المقرر أن تُجرى الزيارة أساساً في مارس/ آذار، قبل أن تؤدي الحرب إلى تأجيلها، لتأتي الآن في توقيت دولي بالغ الحساسية، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية بين القوى الكبرى.