كانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت عن تقديم مبادرة تشمل مساعدات مالية بقيمة 100 مليون دولار، إضافة إلى إمكانية توفير إنترنت سريع عبر الأقمار الصناعية، مقابل تنفيذ ما وصفته واشنطن بـ"إصلاحات جوهرية" داخل كوبا.
أبدت كوبا استعدادها لبحث عرض أمريكي يتضمن تقديم مساعدات إنسانية تُقدّر بنحو 100 مليون دولار، لكنها في الوقت نفسه عبّرت عن تحفظات واضحة بشأن الشروط السياسية المرافقة للمبادرة، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية متفاقمة تعيشها البلاد نتيجة الحصار والعقوبات الأمريكية وتراجع إمدادات الطاقة.
وقال وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيس إن بلاده منفتحة على دراسة العرض، لكنها ترفض أن يكون مرتبطًا بأي شروط سياسية أو استخدامه كأداة ضغط.
وأكد أن أي مساعدات يجب أن تُقدَّم في إطار إنساني خالص، دون "مناورات سياسية أو استغلال لمعاناة الشعب الكوبي"، بحسب تعبيره، مشددًا على أن الأزمة الحالية لا يمكن فصلها عن تأثير العقوبات المفروضة على البلاد.
وفي المقابل، كانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أعلنت عن تقديم مبادرة تشمل مساعدات مالية بقيمة 100 مليون دولار، إضافة إلى إمكانية توفير إنترنت سريع عبر الأقمار الصناعية، مقابل تنفيذ ما وصفته واشنطن بـ"إصلاحات جوهرية" داخل كوبا.
غير أن هذا الإعلان جاء بعد تضارب في التصريحات، إذ نفى وزير الخارجية الكوبي في البداية تلقي أي عرض رسمي، واعتبره غير موجود أو “غير دقيق”، قبل أن تؤكد واشنطن لاحقًا تفاصيل المبادرة بشكل رسمي.
وتشهد كوبا في الوقت نفسه أزمة اقتصادية حادة انعكست على مختلف جوانب الحياة اليومية، من أبرزها نقص الوقود وتراجع إمدادات الطاقة، والانقطاعات المتكررة في الكهرباء، إضافة إلى صعوبات في تأمين المواد الغذائية والأدوية.
وقد تفاقمت هذه الأوضاع بعد تهديدات أمريكية سابقة بفرض رسوم على الدول التي تواصل تزويد كوبا بالنفط، ما أدى إلى تراجع الإمدادات القادمة من بعض الشركاء التقليديين مثل فنزويلا والمكسيك، الأمر الذي زاد من حدة الأزمة داخل البلاد.
وفي السياق السياسي، قال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل إن بلاده مستعدة للتعامل مع أي مساعدات إنسانية وفق المعايير الدولية، لكنه اعتبر أن العرض الأمريكي يحمل طابعًا متناقضًا، مشيرًا إلى أن الأولوية بالنسبة لكوبا تبقى رفع العقوبات الاقتصادية.
كما أوضح أن أي موارد قد تصل إلى البلاد سيتم توجيهها بالدرجة الأولى إلى القطاعات الأساسية مثل الوقود والغذاء والدواء، نظرًا لحجم النقص في هذه المجالات.
بالتوازي مع ذلك، عقد مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) جون راتكليف اجتماعًا مع مسؤولين كوبيين، من بينهم حفيد الزعيم الكوبي السابق راؤول كاسترو، خلال زيارة رفيعة المستوى إلى جزيرة كوبا يوم الخميس، بحسب ما أفاد مسؤولون أمريكيون وكوبيون.
وذكر الجانبان أن راتكليف التقى راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، ووزير الداخلية لاثارو ألفاريز كاساس، ورئيس جهاز الاستخبارات الكوبي، حيث جرى بحث ملفات تتعلق بالتعاون الاستخباراتي، والاستقرار الاقتصادي، وقضايا أمنية مشتركة. كما أكّد مسؤول في وكالة الاستخبارات المركزية لوكالة أسوشييتد برس صحة هذه الاجتماعات.
وأوضح مسؤول في السي آي إيه أن راتكليف كان ينقل "رسالة مباشرة من الرئيس دونالد ترامب مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة للانخراط بجدية في ملفات الاقتصاد والأمن، ولكن فقط إذا أجرت كوبا تغييرات جوهرية".
في المقابل، أشار بيان رسمي صادر عن الحكومة الكوبية إلى أن اللقاء جاء في سياق "علاقات ثنائية معقدة بين البلدين". كما شددت واشنطن على أن كوبا لا ينبغي أن تبقى "ملاذًا آمنًا لخصوم الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي"، بينما أكدت هافانا أن الجزيرة لا تشكل أي تهديد للأمن الأمريكي، واعترضت على استمرار إدراجها ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب.
ويُذكر أن رودريغيز كاسترو كان قد عقد سابقًا اجتماعًا سريًا مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على هامش قمة لدول الكاريبي في سانت كيتس خلال شهر فبراير.
ورغم عدم شغله أي منصب حكومي رسمي، إلا أنه كان يعمل سابقًا حارسًا شخصيًا لجده، قبل أن يتولى لاحقًا قيادة جهاز مشابه للخدمة السرية في كوبا.
كما شهدت الأشهر الأخيرة لقاءات أخرى بين مسؤولين أمريكيين وكوبيين داخل الجزيرة، في مؤشر على تحركات دبلوماسية متواصلة تُعد الأولى من نوعها منذ عام 2016، بما في ذلك رحلات حكومية أمريكية إلى كوبا خارج قاعدة غوانتانامو.
ويأتي هذا اللقاء في ظل توتر متصاعد بين واشنطن وهافانا بسبب الأزمة الاقتصادية وانقطاع الطاقة في كوبا، إلى جانب استمرار الحظر الأمريكي على الوقود، ما فاقم من الأوضاع المعيشية داخل البلاد.