تحذر دوائر إسرائيلية من أن الاتفاق الجاري بلورته قد يتجاهل ملفات تعتبرها تل أبيب جوهرية، خصوصًا مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وشبكة النفوذ الإقليمي لإيران.
قبل أشهر قليلة فقط، نفذت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات متزامنة على أهداف داخل إيران، في خطوة احتفى بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باعتبارها "تاريخية" يعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق.
آنذاك، تحدث نتنياهو بثقة عن مرحلة جديدة في التحالف مع واشنطن، مؤكدًا أن العلاقات الثنائية بلغت ذروتها.
لكن هذا المسار لم يستمر طويلًا. فخلال أسابيع، بدأ الاتجاه يتغير نحو مسار دبلوماسي تقوده الإدارة الأمريكية مع طهران، ما وضع إسرائيل في موقع المتفرج أكثر من الفاعل.
وأفادت شبكة "سي إن إن" بأن نتنياهو، رغم تجنبه الانتقاد العلني لترامب، عبّر في اجتماعات مغلقة عن قلقه من تراجع قدرة إسرائيل على التأثير في مجريات التفاوض بين واشنطن وطهران.
قلق إسرائيلي من اتفاق "غير مكتمل العناصر"
منذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في أبريل، كثف نتنياهو ضغوطه على ترامب من أجل العودة إلى الخيار العسكري، معتبرًا أن استمرار الضغط وحده كفيل بإضعاف إيران وربما دفع نظامها نحو الانهيار.
إلا أن الإدارة الأمريكية، وفق ما تشير إليه مصادر متعددة، تميل إلى مقاربة مختلفة تقوم على إدارة الصراع بدل تصعيده، والدفع نحو اتفاق مرحلي مع طهران.
وتحذر دوائر إسرائيلية من أن الاتفاق الجاري بلورته قد يتجاهل ملفات تعتبرها تل أبيب جوهرية، خصوصًا مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وبرنامج الصواريخ الباليستية، وشبكة النفوذ الإقليمي لإيران.
ويقول مسؤول إسرائيلي في هذا السياق لشبكة "سي إن إن": "هناك قلق حقيقي من أن ترامب سيكتفي باتفاق مؤقت سيئ. إذا كان يتضمن إخراج اليورانيوم فهذا مقبول، لكن إذا كان مجرد إعلان سياسي، فقد تمنح إيران وقتًا لإعادة التموضع".
وفي المقابل، تؤكد إيران أن ملف اليورانيوم غير مشمول بالترتيبات المرحلية، فيما تواصل واشنطن طرح فكرة نقل هذا المخزون خارج البلاد، مع تراجع نسبي في حدّة الخطاب الأمريكي مؤخرًا.
شعور بالتهميش داخل إسرائيل
تتحدث مصادر إسرائيلية عن حالة إحباط متزايدة داخل المؤسسة السياسية والأمنية، حيث يرى بعض المسؤولين أن إسرائيل لم تعد تمتلك قدرة التأثير السابقة على القرار الأمريكي.
ويقول أحد المصادر لشبكة "سي إن إن": "إذا رُفع الضغط الاقتصادي عن إيران ضمن اتفاق ضعيف، فسيكون ذلك بمثابة تعزيز مباشر للنظام بدلًا من إضعافه".
وقال مصدر آخر: "هذا هو الشعور الذي نشعر به عندما يرمينا ترامب تحت الحافلة".
ولا يقتصر التوتر على الملف الإيراني، إذ باتت الساحة اللبنانية جزءًا من المعادلة الجديدة، إذ تسعى إيران إلى إدراج تهدئة في لبنان ضمن أي تفاهم أوسع، بينما تعمل واشنطن على الحد من العمليات الإسرائيلية هناك.
وعلى عكس مواجهة نتنياهو الشرسة مع إدارة أوباما بشأن الاتفاق النووي عام 2015، يبدو موقفه الحالي أكثر حذرًا تجاه ترامب.
فالعلاقة السياسية والشخصية بين الطرفين تجعل المواجهة العلنية مكلفة سياسيًا، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات في إسرائيل.
وبدلًا من ذلك، يوجه مقربون من نتنياهو انتقادات غير مباشرة لفريق التفاوض الأمريكي، خصوصًا جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، الذين يُتهمون بدفع المسار نحو تسوية تقلص فرص استمرار الضغط العسكري.
وقد علّق أحد الإعلاميين المقربين من الحكومة على قناة 14 قائلًا إن بعض المفاوضين الأميركيين "يختارون الاقتصاد بدل البعد الوجودي".
في المقابل، يرى مصدر مطلع على النقاشات الأمريكية الإسرائيلية أن ما يحدث يعكس فجوة في التقدير بين الطرفين، إذ راهنت إسرائيل على إمكانية إسقاط النظام الإيراني عسكريًا، بينما ترى واشنطن أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية أوسع.
وبحسب هذا المصدر، فإن ترامب أعاد ضبط العلاقة مع إسرائيل لتفادي صورة "الانجرار إلى حرب تقودها تل أبيب"، وهو ما دفعه إلى الدفع باتجاه إنهاء التصعيد.
وقال ترامب في تصريح له: "بيبي رجل جيد، وسينفذ ما أطلبه منه".