وسط الدمار الذي طال القرى الحدودية وصعوبة الوصول إلى مناطق واسعة في جنوب لبنان بفعل القصف الإسرائيلي المستمر، تحوّلت المقابر المؤقتة إلى وجهة أخيرة لقتلى تعذّر نقلهم ودفنهم في بلداتهم الأصلية.
رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، لم تتمكن عائلات كثيرة من دفن ذويها في القرى الحدودية، بعدما بقيت مناطق واسعة مدمّرة وتعذّرت عودة سكانها إليها، في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية.
في مقبرة حارة صيدا الرئيسية، جنوب لبنان، تمتد عشرات القبور المؤقتة التي تحمل صور مدنيين ومقاتلين من حزب الله قضوا خلال الحرب، بعدما تعذّر نقلهم إلى قراهم. ووفق الشريعة الإسلامية لدى المسلمين الشيعة، يُسمح في الظروف الاستثنائية بالدفن المؤقت على سبيل "الوديعة" إلى حين توافر إمكانية نقل الجثمان إلى مكان دفنه النهائي.
في هذا السياق، يقول رئيس لجنة الأوقاف في حارة صيدا والمشرف على المقبرة حسن صالح لـ"أ ف ب" إن هذا القسم استُحدث خلال جولة المواجهات بين إسرائيل وحزب الله التي اندلعت عام 2023 قبل أن تتوسع إلى حرب مفتوحة في عام 2024، وذلك بإشراف من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.
منذ آذار/مارس، تحوّل قسم "الودائع" في المقبرة إلى محطة أخيرة لعشرات الضحايا. ويقول صالح: "دفنّا 120 شخصاً كوديعة منذ ذلك الحين، ولدينا اليوم نحو 185 وديعة، وما زلنا نفتح قبوراً جديدة ونعمل ليل نهار لاستقبال جثامين شهدائنا وأهلنا ونسائنا وأطفالنا".
ويشير إلى أن بين المدفونين عناصر من الدفاع المدني ومدنيين كانوا داخل منازلهم عند استهدافها بالغارات. كما يوضح أن عملية الدفن تُنظّم وفق الروابط العائلية، قائلاً: "عندما تصل عائلة تضم أربعة أو خمسة أفراد، ندفنهم في القسم نفسه، على أن يُوضع كل شخص في صندوق مستقل".
ولا يخفي صالح تأثره بما يشاهده يومياً، مضيفاً: "المشاهد التي نراها مروّعة".
ولا تقتصر القبور المؤقتة على حارة صيدا، إذ تنتشر مواقع مماثلة في مناطق لبنانية أخرى، بينها مدينة صور وأطراف الضاحية الجنوبية لبيروت.
"سيعود ولو بعد عشر سنوات"
لا تزال غادة حسين تتمسّك بالأمل في أن يعود ابنها محمد الطفيلي يوماً إلى قريته كفرتبنيت ليوارى الثرى فيها. والطفيلي كان مقاتلاً في حزب الله، قُتل خلال الحرب على لبنان ودُفن في قبر مؤقت في حارة صيدا، بعدما حالت الظروف الأمنية دون نقله إلى بلدته الواقعة قرب الحدود مع إسرائيل.
تقول غادة، التي تنقلت مراراً بين مناطق النزوح خلال الأشهر الماضية، لـ"أ ف ب": "رحل عمري، كان صديقي، كنا نفعل كل شيء معاً... فعلت كل شيء لأربيه".
وتستعيد بحسرة الأيام الأخيرة قبل مقتله: "كتب كتابه قبل الحرب بعشرين يوماً، كان عريساً". وتضيف: "قلت له تعال معنا، قال لي كلا، لن أترك القرية".
لكن القرية التي تمسك بها ابنها لم تعد كما كانت. تقول: "لم يبق لنا قرية، إنها مدمرة تماماً، محروقة، لم يعد هناك بيوت، لم يبق هناك شيء".
ورغم ذلك، ترفض التخلي عن حلم إعادة دفنه هناك، مضيفة: "محمد سيعود إلى القرية ولو بعد عشر سنوات، سيبقى بجانبي، سأذهب لأزوره صباحاً وليلاً".
من جانبه، يقول باسم ياسين (55 عاماً) خلال مشاركته في تشييع أحد مقاتلي حزب الله في مقبرة حارة صيدا: "هنا أفضل من أن يبقى في المشرحة".
ويُتابع: "المشكلة أننا لا نستطيع الذهاب إلى القرية، الطيران يمنعنا، يضربون الجميع وليس فقط المقاومين، حتى الأطفال والنساء".
غارات إسرائيلية متواصلة
رغم الهدنة التي أعلنت عنها الولايات المتحدة في نيسان/أبريل، ورغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى مذكرة تفاهم مع إيران تشمل لبنان، لم تتوقف الحرب على البلاد.
فقد واصلت إسرائيل شن غاراتها على مناطق واسعة في الجنوب، فيما شهدت الساعات الأخيرة تصعيداً كثيفاً.
ومن بين الغارات التي سُجلت اليوم، استهداف بلدة طورا بمسيّرة إسرائيلية، وتنفيذ غارتين على بلدة معركة في قضاء صور.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة حجم الدمار في البلدة، فيما سُمعت صرخات أحد السكان وهو يردد: "راح البيت وزمطت إني".
كما توجهت فرق الإسعاف إلى موقع الغارة في معركة لنقل الجرحى وتقديم الإسعافات الأولية.
وشملت الهجمات أيضاً قصفاً مدفعياً على بلدة تولين وقرية خربة سلم، وقصفاً آخر على محيط بلدة بلاط في قضاء مرجعيون، إلى جانب غارتين على بلدتي فرون وتولين.
في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفّذ نحو 310 غارات على أهداف في جنوب لبنان خلال الأسبوع الماضي.
وزعمت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية، عبر منصة "إكس"، أن القوات الإسرائيلية، بدعم من سلاح الجو، استهدفت نحو 310 مواقع تابعة لحزب الله، مشيرة إلى أن إسرائيل قتلت 80 عنصراً من الحزب في جنوب لبنان.
وأضافت أن العمليات ترافقت مع نشاط للقوات البرية على خط الدفاع الأمامي بهدف تدمير البنى التحتية وإزالة ما وصفته بـ"التهديدات" الموجهة إلى إسرائيل والقوات العاملة في المنطقة.
وفي تصعيد إضافي، وجّه الجيش الإسرائيلي بعد ظهر اليوم إنذاراً عاجلاً إلى سكان بلدات الصرفند وتفاحتا ومزرعة سيناي، داعياً إياهم إلى إخلائها فوراً.
ووفق وزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الغارات الإسرائيلية على لبنان عن مقتل أكثر من 3700 شخص منذ بدء الحرب في 2 آذار/مارس.
في المقابل، استمر حزب الله في استهداف القوات الإسرائيلية المتوغلة وآليات تابعة له، وأعلن اليوم أنه استهدف على دفعات بالصواريخ والقذائف تجمعاً لآليات وجنود إسرائيليين في بلدة شمع جنوبي لبنان.