يرى تحليل لصحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية أن الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إسرائيل لإعادة انتشار قواتها في جنوب سوريا قد تدفع تل أبيب إلى إعادة تقييم استراتيجيتها العسكرية على الحدود السورية.
رأت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية، في تحليل استند إلى تقرير نشره موقع "أكسيوس"، أن الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إسرائيل لسحب قواتها من جنوب سوريا قد تفرض على تل أبيب إعادة تقييم استراتيجيتها العسكرية على الحدود مع سوريا.
وكان موقع "أكسيوس" قد كشف أن ترامب أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال اتصال هاتفي جرى الأسبوع الماضي، بضرورة البدء بإعادة انتشار القوات الإسرائيلية خارج جنوب سوريا، وحثه أيضاً على المضي في إعادة الانتشار داخل جنوب لبنان، معتبراً أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في تلك المناطق يزيد من احتمالات التوتر ويعرقل جهود الاستقرار.
خلفية الوجود الإسرائيلي في سوريا
وأشار تحليل الصحيفة إلى أن فهم الضغوط الأميركية يتطلب العودة إلى طبيعة الوجود الإسرائيلي في سوريا، إذ تسيطر إسرائيل على هضبة الجولان منذ عام 1967، فيما أُنشئت منطقة عازلة بين القوات السورية والإسرائيلية عقب اتفاق فض الاشتباك عام 1974، تخضع لمراقبة الأمم المتحدة، وتفصل بين خطي "ألفا" و"برافو".
وأضاف أن إسرائيل عززت وجودها على الحدود خلال سنوات الحرب السورية، وقدمت مساعدات إنسانية، كما أقامت اتصالات مع فصائل المعارضة السورية، قبل أن يستعيد نظام الرئيس السابق بشار الأسد السيطرة على المنطقة الحدودية عام 2018.
سقوط الأسد غيّر المعادلة
ولفتت الصحيفة إلى أن سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 شكّل نقطة تحول، إذ دخل الجيش الإسرائيلي المنطقة العازلة وسيطر على قمة جبل الشيخ، بالتوازي مع تنفيذ غارات جوية واسعة داخل سوريا، خشية انتقال أسلحة إلى جهات تعتبرها إسرائيل معادية.
لكن التحليل اعتبر أن المخاوف الأمنية التي بررت ذلك الانتشار لم تتحقق بالشكل الذي كانت تتوقعه إسرائيل، بينما أصبحت العمليات العسكرية الإسرائيلية نفسها مصدراً رئيسياً للاحتكاك داخل الأراضي السورية.
دمشق الجديدة والعلاقة مع واشنطن
وأشار التحليل إلى أن الولايات المتحدة أقامت علاقات وثيقة مع الحكومة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، وأن ترامب التقى الشرع أكثر من مرة خلال عام 2025، في إطار مساعٍ أميركية لدعم الاستقرار في سوريا.
وأضاف أن إسرائيل كانت تنظر في السابق إلى فصائل المعارضة السورية كشريك في مواجهة إيران وحزب الله، إلا أن الرواية الإسرائيلية تبدلت بعد سقوط الأسد، وأصبحت بعض الأوساط في إسرائيل تصف الحكومة السورية الجديدة بأنها "جهادية"، رغم أن كثيراً من عناصرها هم أنفسهم الذين كانت إسرائيل تتواصل معهم خلال سنوات الحرب.
لماذا يضغط ترامب؟
وبحسب الصحيفة، فإن ترامب يدرك أن استمرار الاحتكاك بين الجيش الإسرائيلي والسكان المحليين في جنوب سوريا قد يقود إلى أزمة مع دمشق ويضر بجهود بناء علاقات بين الولايات المتحدة والحكومة السورية الجديدة، وهو ما يفسر مطالبته لإسرائيل بإعادة انتشار قواتها.
كما رأت أن واشنطن تسعى إلى تهدئة التوتر بين إسرائيل وتركيا، في ظل تنامي المخاوف الإسرائيلية من النفوذ التركي في سوريا، بينما يعمل المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق والسفير لدى تركيا، توم باراك، على تعزيز الاستقرار وفتح مسارات للتفاهم في المنطقة.
دعوة لإعادة النظر في الاستراتيجية
وأشار التحليل إلى أن استمرار الاحتكاك مع القرى السورية الواقعة داخل المنطقة العازلة لم يعد يحقق مكاسب استراتيجية واضحة، لافتاً إلى وقوع حوادث متكررة دخل خلالها مدنيون إسرائيليون إلى الأراضي السورية في محاولة لإقامة بؤر استيطانية، وهو ما زاد من التوتر مع السكان المحليين.
وخلصت الصحيفة إلى أن إسرائيل قد تكون مطالبة بإعادة تقييم استراتيجيتها في جنوب سوريا، معتبرة أن مواجهة التهديدات الأمنية يمكن أن تتحقق أيضاً من خلال التعاون مع مؤسسات الدولة السورية الجديدة، بما فيها وزارة الداخلية، بدلاً من مواصلة العمليات العسكرية والاحتكاك اليومي داخل المنطقة العازلة، في ظل رغبة أميركية في دفع مسار الاستقرار في سوريا والمنطقة.