يشكك الباحث السعودي عزيز الغشيان، الذي تحدثت إليه الوكالة، في استعداد المملكة لخوض "حملة طويلة الأمد"، ويرجح أن يكون ردها "محسوبا"، خصوصا إذا حاول الحوثيون التقدم نحو مناطق أقرب إلى مضيق باب المندب
أشارت وكالة فرانس برس في تقرير تحليلي لها إلى أن السعودية تتعرض لضغوط متزايدة على خلفية تصعيد الحوثيين في اليمن، فيما تتوافر أمامها عدة خيارات للرد.
ويرى التقرير أن أمام الرياض ثلاثة مسارات رئيسية للتعامل مع التصعيد: مواصلة الرد العسكري المحدود، وتعزيز القوات اليمنية المدعومة منها، أو الاستعانة بحلفائها، مع الحرص في جميع الحالات على تجنب الانجرار إلى حرب طويلة الأمد.
وبحسب التقرير، لا تقتصر الضغوط التي تواجهها السعودية على الجانب الأمني، بل تمتد إلى قطاع النفط، في وقت أدت فيه التطورات الإقليمية إلى تعقيد طرق تصدير الخام السعودي.
ويشير التقرير إلى أن إغلاق إيران مضيق هرمز دفع المملكة إلى تحويل جزء من صادراتها النفطية عبر خط أنابيب يصل إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، في محاولة لتأمين مسارات بديلة لتصدير الخام.
وعاد اليمن، وفق فرانس برس، إلى واجهة التصعيد الإقليمي في تموز/يوليو، مع تجدد المواجهة بين الحوثيين والسعودية بالتزامن مع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
كيف بدأ التصعيد؟
وبدأت جولة التصعيد الأخيرة، بحسب الوكالة، بعدما اتهم الحوثيون الرياض بقصف مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط فيه.
ورد الحوثيون بفرض حصار بحري على السعودية واستئناف استهداف السفن والمنشآت النفطية، لتنتهي بذلك عمليا الهدنة التي كانت قائمة منذ عام 2022.
وتقول فرانس برس إن الحوثيين شنوا خلال الأسبوع الماضي هجمات واسعة باتجاه البحر الأحمر، في مسعى للضغط على الملاحة وتعزيز نفوذهم قرب مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط آسيا بأوروبا عبر قناة السويس.
كما استهدفت الهجمات، وفق الوكالة، مناطق في جنوب السعودية، بينها جازان، حيث توجد منشآت نفطية تابعة لشركة أرامكو، ما أدى إلى سقوط عشرات الجرحى وأثار مخاوف بشأن انعكاسات التصعيد على النشاط النفطي السعودي.
وتلفت فرانس برس إلى أن الرياض زادت، في ظل التهديدات التي تواجه حركة الملاحة، اعتمادها على طرق بديلة لنقل النفط، بينها المسار الذي يربط الخام السعودي بميناء سيدي كرير المصري على البحر المتوسط.
وبحسب بيانات شركة "كبلر" لتتبع حركة الملاحة، والتي أوردتها فرانس برس، تجاوزت الصادرات عبر سيدي كرير في آب/أغسطس 2.3 مليون برميل يومياً، وكان الجزء الأكبر منها من الخام السعودي.
ثلاثة خيارات أمام الرياض
وفي الجانب العسكري، يشير التقرير إلى أن السعودية تحاول تحقيق توازن دقيق بين الرد على الهجمات الحوثية والحؤول دون العودة إلى حرب مفتوحة في اليمن.
وقال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، إن المملكة "لن تتردد في الدفاع عن نفسها وحماية مصالحها".
وترى آنا جاكوبس من معهد دول الخليج العربية، التي تحدثت إليها فرانس برس، أن "صبر الرياض ينفد بوضوح"، وأن المملكة لن تبقى مكتوفة اليدين أمام استمرار الهجمات الحوثية.
لكن التقرير يشير في الوقت نفسه إلى أن الرد السعودي لا يبدو متجها، حتى الآن، نحو حملة جوية واسعة على غرار تلك التي شهدها اليمن خلال السنوات الماضية.
ووفق التقرير، ركزت الضربات السعودية بدرجة أكبر على خطوط المواجهة دعما للقوات الحكومية اليمنية، بدلاً من استهداف مراكز القيادة الحوثية، ولا سيما في العاصمة صنعاء التي كانت هدفاً لحملة جوية واسعة للتحالف بقيادة السعودية بين عامي 2015 و2022.
ويعكس ذلك، رغبة الرياض في ممارسة ضغط عسكري على الحوثيين مع الحد من تدخلها المباشر وتجنب تكاليف حرب طويلة.
ونقلت فرانس برس عن أحمد ناجي، في مجموعة الأزمات الدولية، أن لدى السعودية عدة أسباب تدفعها إلى تفضيل "رد تدريجي".
ويقترح ناجي، وفق التقرير، أن تعمد الرياض إلى تعزيز القوات الحكومية اليمنية بأسلحة متقدمة ومعلومات استخباراتية، إضافة إلى تقديم دعم دفاعي وبحري، بدلا من شن حملة عسكرية مباشرة واسعة النطاق.
وترى فرانس برس أن هذا الخيار يسمح للسعودية بإبقاء الضغط على الحوثيين، مع تقليص حجم انخراطها العسكري المباشر.
بدوره، يشكك الباحث السعودي عزيز الغشيان، الذي تحدثت إليه الوكالة، في استعداد المملكة لخوض "حملة طويلة الأمد"، ويرجح أن يكون ردها "محسوبا"، خصوصا إذا حاول الحوثيون التقدم نحو مناطق أقرب إلى مضيق باب المندب.
اللجوء إلى الحلفاء
أما الخيار الثالث الذي تطرحه فرانس برس فيتمثل في الاستفادة من الحلفاء الإقليميين والدوليين، في محاولة لتقاسم أعباء المواجهة والحد من الحاجة إلى تدخل سعودي مباشر.
وفي هذا السياق، يشير التقرير إلى أن السعودية وقعت في مطلع آب/أغسطس "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" مع تركيا وباكستان، تنص على التزام الدول الثلاث بالدفاع المشترك في حال تعرض أي منها لهجوم.
ووكان قد أكد وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف، أن بلاده ستحترم بنود الاتفاق "إذا دعت الحاجة".
لكن آنا جاكوبس ترى، وفق ما نقلت الوكالة، أن حداثة الاتفاق تجعل من الصعب أن يؤدي في الوقت الراهن دوراً رئيسياً في أي رد عسكري سعودي على الحوثيين.
وتبقى الولايات المتحدة عاملا أساسيا في حسابات الرياض، إذ حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وفق فرانس برس، من أن واشنطن ستهاجم الحوثيين إذا حاولوا تعطيل حركة الملاحة في البحر الأحمر.
وكانت الولايات المتحدة قد كثفت في آذار/مارس 2025 حملتها الجوية ضد الحوثيين، رداً على هجمات استهدفت سفناً في البحر الأحمر، قال الحوثيون إنها جاءت دعما لغزة.
وبعد نحو شهرين من الضربات، أعلن ترامب وقفا لإطلاق النار، فيما تحدث الحوثيون عن مقتل مئات الأشخاص جراء الحملة الأميركية.