من المتوقع أن تشهد البلاد تحوّلا جذريا جديدا في كانون الثاني/يناير، حين تبدأ الحكومة في الانتقال من نظام البطاقات التموينية إلى نظام المساعدات النقدية المباشرة.
تدخل منظومة الدعم الغذائي في مصر مرحلة جديدة مع مراجعة قوائم المستفيدين وإخراج مئات الآلاف من النظام التمويني، بالتزامن مع استعداد الحكومة للانتقال تدريجياً من الدعم العيني إلى المساعدات النقدية. وتقول القاهرة إن الهدف هو وقف وصول الدعم إلى غير المستحقين وتحسين كفاءة الإنفاق.
وأعلنت وزارة التموين استبعاد نحو 850 ألف مستفيد من منظومة الدعم اعتباراً من يونيو/حزيران، ضمن عملية لتنقية قواعد البيانات وتطبيق ما تسميه الحكومة "محددات العدالة الاجتماعية". وقال المتحدث باسم الوزارة أحمد كمال إن القرار لا يستند إلى مجموعة من المعايير المتعلقة بالدخل والإنفاق والملكية والحيازة، مع إتاحة التظلم لمن يرى أنه استُبعد من دون وجه حق.
وتشمل المعايير التي أعلنتها الوزارة مؤشرات مثل امتلاك سيارات مرتفعة القيمة أو أكثر من سيارة، واستيراد سيارة من الخارج، وامتلاك حيازة زراعية تتجاوز عشرة أفدنة، أو شركات برأسمال مدفوع يتجاوز 1.75 مليون جنيه، إضافة إلى بعض مؤشرات الإنفاق على التعليم. وتؤكد الوزارة أن تطبيق أكثر من مؤشر في بعض الحالات يهدف إلى تحديد القدرة الاقتصادية للأسرة بصورة أدق.
لكن عملية الاستبعاد أثارت اعتراضات داخل مجلس النواب، حيث تقدم نواب بطلبات إحاطة طالبوا فيها بمراجعة المعايير وضمان عدم خروج أسر لا تزال بحاجة إلى الدعم.
وقال نواب إن امتلاك سيارة أو مساحة محدودة من الأراضي، على سبيل المثال، لا يعني بالضرورة أن الأسرة قادرة على تحمل ارتفاع تكاليف الغذاء، فيما انتقد آخرون وقف الدعم بسبب مخالفات إدارية مرتبطة بالكهرباء أو البناء، معتبرين أن حرمان المواطن من الدعم في مثل هذه الحالات قد يتحول إلى عقوبة إضافية.
وسبق أن ناقشت اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب شكاوى بشأن استمرار حذف مواطنين من بطاقات التموين حتى بعد زوال أسباب الاستبعاد، بما في ذلك مخالفات مرتبطة بالكهرباء والبناء والزراعة.
كما حذر نواب من أن غياب الإنذار المسبق وصعوبة إجراءات التظلم قد يضع بعض الأسر أمام فقدان مفاجئ لمصدر أساسي من مصادر المساعدة الغذائية. وتحدثت طلبات إحاطة أخرى عن شكاوى متزايدة من قرارات الاستبعاد وعدم وضوح أسبابها بالنسبة إلى بعض المواطنين.
الحكومة: لا خفض للدعم بل إعادة توجيهه
في المقابل، تصر وزارة التموين على أن العملية لا تستهدف تقليص الدعم أو حرمان الأسر الفقيرة، بل استبعاد من لم تعد تنطبق عليهم شروط الاستحقاق وإتاحة المجال لإدخال فئات أكثر احتياجاً.
وقال أحمد كمال إن المواطنين الذين يعتقدون أنهم استُبعدوا بالخطأ يمكنهم تحديث بياناتهم والتقدم بتظلمات، موضحاً أن الوزارة تعيد المستفيد إلى المنظومة إذا ثبتت أحقيته. وتقول الوزارة إن أحدث عملية للمراجعة شملت نحو 850 ألف مستفيد، فيما يستفيد قرابة 66 مليون شخص من الخبز المدعوم ونحو 61 مليوناً من السلع التموينية.
وبحسب الوزارة، فإن فحص التظلمات قد يؤدي إلى تعديل العدد النهائي للمستبعدين، إذ يمكن إعادة من يثبت استحقاقه للدعم.
لكن حجم المنظومة نفسها يوضح حساسية التغيير. فالدعم الغذائي والخبز يمثلان أحد أبرز مكونات شبكة الحماية الاجتماعية في بلد يعتمد فيه عشرات الملايين على هذه المساعدات لتخفيف كلفة الغذاء.
وتعمل الحكومة بالتوازي على تغيير طريقة تقديم الدعم نفسها، إذ أعلنت توجهها إلى توسيع نظام الدعم النقدي، بحيث يحصل المستفيد على مبلغ مالي بدلاً من الاستفادة من أسعار ثابتة ومدعومة لعدد محدد من السلع. وقالت رويترز إن النظام الجديد سيشمل نطاقاً أوسع من المواد الغذائية، من بينها اللحوم والحبوب والبيض والحليب والبقوليات والدواجن والشاي، بدلاً من القائمة المحدودة الحالية.
ومن المقرر بدء تطبيق النظام النقدي في يناير/كانون الثاني 2027، بعد تأجيلات مرتبطة بتحديد المستحقين وآليات التنفيذ. وتقوم الفكرة على استبدال الأسعار المدعومة بتحويل مالي شهري يحصل عليه المستفيد عبر بطاقة التموين.
وكانت تقارير مصرية قد أشارت في وقت سابق إلى أن الحكومة تبحث دمج دعم الخبز في نظام الدعم النقدي، وهو تحول يمس واحدة من أكثر سياسات الدعم رسوخاً في مصر.
الخبز يتحول إلى مقياس للقدرة على المعيشة
في تصريح لوكالة "فرانس برس"، تقول إيمان عبد الفتاح، وهي أم لأربعة أبناء تبلغ 42 عاماً، لوكالة فرانس برس إنها أصبحت تحسب كمية الخبز التي تستطيع شراءها بعدما خرجت أسرتها من منظومة الدعم.
يتجاوز الخبز في مصر كونه سلعة غذائية. ففي عام 1977، اندلعت احتجاجات واسعة بعد محاولة خفض دعم السلع الأساسية، واضطرت الحكومة إلى التراجع عن الإجراءات. وبعد أكثر من ثلاثة عقود، ظهر الخبز مجدداً في قلب المشهد السياسي مع ثورة يناير 2011، التي حملت شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية".
وفي 2024، رفعت الحكومة سعر رغيف الخبز المدعوم من خمسة قروش إلى 20 قرشاً، في أول زيادة كبيرة منذ عقود، مع استمرار تحمل الدولة الجزء الأكبر من تكلفته.
وتقول عبد الفتاح إن الأسرة كانت تخشى في السابق ألا تكفي ميزانيتها لشراء اللحم، أما الآن فأصبح القلق متعلقاً بتأمين الخبز.
وفي متاجر الأحياء الشعبية، تقول نساء تحدثت إليهن "فرانس برس" إن ارتفاع تكاليف المعيشة دفعهن إلى تقليص مشترياتهن من اللحوم والفواكه والحلويات، فيما أصبحت كميات الأرز وغيرها من المواد الغذائية تُحسب بدقة حتى تكفي ميزانية الأسرة حتى نهاية الشهر.
وتقول سهام عبد القوي، وهي أم لأطفال، إنها توقفت عن شراء بعض المواد الغذائية التي كانت تعدها من الأساسيات، ولم يعد الدجاج يظهر على مائدة أسرتها إلا بصورة متقطعة.
ومن بين أكثر النقاط إثارة للنقاش اعتماد بعض معايير الاستبعاد على مؤشرات قد لا تعكس، بحسب منتقدين، الوضع المالي الحقيقي للأسرة.
وتقول الأسر إن إرسال الأبناء إلى مدارس خاصة متواضعة كان أحد أسباب استبعادها، رغم أن اللجوء إلى تلك المدارس جاء بحثاً عن بديل للمدارس الحكومية المكتظة، واضطرت بعض العائلات إلى الاقتراض لتغطية الرسوم.
وفي الوقت نفسه، تظل فاتورة الدعم كبيرة.
وقالت وزارة التموين إن مخصصات الدعم الغذائي تبلغ نحو 175 مليار جنيه خلال السنة المالية الحالية، فيما يستفيد عشرات الملايين من منظومتي الخبز والسلع التموينية.