في محاولة للحد من المخاطر المتزايدة التي تهدد حركة الملاحة التجارية في البحر الأسود، سلّمت تركيا كلاً من روسيا وأوكرانيا مسودة اتفاق تهدف إلى وقف الهجمات على السفن التجارية، مستلهمةً مقترحها من آلية "ممر الحبوب" التي أتاحت سابقاً مرور الصادرات الأوكرانية بأمان عبر البحر.
قال مصدر دبلوماسي تركي لوكالة فرانس برس، اليوم الخميس، إن أنقرة تبادلت مسودة الاتفاق مع الجانبين الروسي والأوكراني "بهدف إيجاد حل للهجمات في البحر الأسود"، موضحاً أن المقترح يحاكي الآلية التي اعتُمدت بموجب اتفاق الحبوب الذي توسطت فيه تركيا والأمم المتحدة عام 2022.
وبحسب المصدر، تسعى الخطة التركية إلى معالجة إحدى النقاط الأكثر خطورة في حركة السفن، والمتمثلة في فجوة تمتد لنحو أربعة أو خمسة أميال، تضطر خلالها السفن الأوكرانية إلى مغادرة المياه الإقليمية والإبحار في المياه الدولية. ووصف المصدر هذه المنطقة بأنها الجزء "المحفوف بالمخاطر".
وتأتي المبادرة في أعقاب تصاعد حاد في الهجمات بالبحر الأسود، إذ تعرضت 25 سفينة على الأقل يملكها أتراك لضربات منذ أواخر حزيران/يونيو، وفق أرقام غرفة التجارة التركية.
كما امتدت الهجمات إلى سفن الشحن والموانئ والبنية التحتية المستخدمة في التصدير لدى طرفي الحرب، ما رفع مستوى المخاطر التي تواجه السفن وأطقمها، وأعاد البحر الأسود إلى واجهة المخاوف المرتبطة بحركة التجارة الدولية.
هجمات تطال السفن والموانئ
استهدفت مسيّرة روسية، الخميس، سفينة مدنية ترفع علم تنزانيا في البحر الأسود، ما أسفر عن مقتل قبطانها وإصابة ثلاثة من أفراد طاقمها، وفق مسؤولين أوكرانيين. وفي اليوم نفسه، أعلنت وزارة الدفاع الروسية استهداف ثلاث ناقلات بضائع سائبة وعبّارة في ميناء تشورنومورسك، وقالت إنها كانت تنقل إمدادات للجيش الأوكراني.
وتندرج هذه التطورات ضمن موجة أوسع من الهجمات التي طالت السفن التجارية والموانئ خلال الأشهر الأخيرة.
وتشير تقارير متخصصة في المخاطر البحرية إلى اتساع نطاق السفن المستهدفة من ناقلات النفط إلى سفن الشحن، بالتزامن مع تزايد المخاوف لدى شركات الشحن وأطقم السفن.
وانعكس ارتفاع مستوى المخاطر على حركة الملاحة المتجهة إلى الموانئ الروسية والأوكرانية، فيما ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بما يصل إلى عشرة أضعاف منذ بداية العام، وفق محلل في شركة "أمبري" لإدارة المخاطر البحرية.
شريان رئيسي لتجارة الحبوب
لا تقتصر تداعيات التصعيد على سلامة السفن وأطقمها، إذ يمثل البحر الأسود شرياناً رئيسياً لتجارة الحبوب العالمية. ووفق بيانات أوردها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تستحوذ روسيا وأوكرانيا معاً على نحو 27% من صادرات القمح العالمية، ما يجعل أي اضطراب واسع في حركة الملاحة بالمنطقة ذات تداعيات تتجاوز حدود البلدين.
وأدت الهجمات الأخيرة إلى تعطيل جزء كبير من قدرات التصدير لدى روسيا وأوكرانيا، في وقت يبحث فيه الطرفان عن مسارات بديلة أكثر كلفة وأقل قدرة على استيعاب الكميات التي تمر عادةً عبر موانئ البحر الأسود وبحر آزوف.
وبالنسبة إلى أوكرانيا، ازدادت أهمية هذه البدائل منذ انتهاء مبادرة حبوب البحر الأسود في تموز/يوليو 2023، إذ اعتمدت كييف بصورة أكبر على نهر الدانوب والممر البحري الذي أنشأته لاحقاً بمحاذاة سواحل رومانيا وبلغاريا.
ومنذ إطلاق "الممر الأوكراني" في أيلول/سبتمبر 2023، صدّرت أوكرانيا عبره نحو 100 مليون طن من الحبوب حتى كانون الثاني/يناير 2026، غير أن الهجمات الأخيرة أعادت تسليط الضوء على هشاشة الملاحة التجارية والحاجة إلى توفير ممرات أكثر أمناً.
تجربة "ممر الحبوب"
يستند التحرك التركي الجديد إلى تجربة اتفاق عام 2022، الذي توسطت فيه أنقرة والأمم المتحدة لضمان المرور الآمن لصادرات الحبوب الأوكرانية عبر البحر الأسود من دون التعرض لهجمات.
وبعد انسحاب روسيا من الاتفاق في العام التالي، أنشأت أوكرانيا مساراً بديلاً عبر ممر ملاحي بمحاذاة سواحل رومانيا وبلغاريا.
ولم تكن المسودة التركية المحاولة الأولى لوقف استهداف السفن المدنية، ففي آب/أغسطس، اقترحت أوكرانيا على روسيا، عبر طرف ثالث، وقف الهجمات على الأهداف المدنية في البحر الأسود، إلا أن موسكو رفضت الطرح في اليوم التالي، وسط خلافات بشأن نطاق أي اتفاق محتمل.