الجوّ الحارّ يستنزف جهد المدرّس ويشتت انتباه التلاميذ، والإضاءة تجعل رؤية السبورة صعبة من المقاعد الخلفية، فيما يشكو الطلاب من التعب بسبب الكتابة بظهور منحنية دون أثاث مناسب.
بدأ العام الدراسي 2026/2027 في قطاع غزة يوم 19 سبتمبر/أيلول، بخطة تشمل أكثر من 420 ألف طالب في نحو 610 مدارس ومراكز تابعة لوزارة التربية والتعليم، ونحو 100 ألف في قرابة 100 مدرسة ومركز للأونروا، وفق بيان الوزارة. وتأتي العودة مع استمرار نقص الأبنية والتجهيزات، وحاجة الطلاب إلى تعويض ما فاتهم منذ تعطّل التعليم النظامي مع اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 إثر هجوم حماس على جنوب إسرائيل.
في مدرسة العروبة الثانوية بمخيم النصيرات، وسط القطاع، تختصر الطالبة مرح النجار أثر تلك السنوات فتقول ليورونيوز: "كبرنا من ابتدائي للثانوي". تشعر الفتاة بأنها تجاوزت المرحلة الإعدادية من دون أن تحصل على ما تحتاجه من معارف، رغم محاولات التعلم الإلكتروني.
كانت مرح تتوقع أن تجد عند العودة مدرسةً بمقاعد وتجهيزات أفضل. لكنها وجدت خيامًا وكراسي، من دون طاولة مناسبة تكتب عليها. صار عليها أن تتابع دروسها في ظروف تختلف كثيرًا عن المدرسة التي عرفتها قبل الحرب، بينما تقلقها كلفة الكتب والطريق إلى الصف حين يبدأ موسم المطر.
ثلاث ورديات على أرض المدرسة المدمرة
تقول هناء قفة، مديرة مدرسة العروبة التابعة لمديرية التربية والتعليم في المحافظة الوسطى، إن المدرسة دُمّرت بالكامل. وبدأ العمل بالبحث عن مساحة يمكن نصب الخيام فوقها، وسط صعوبة إزالة الركام، ثم تأمين الشوادر والأثاث اللازم لاستقبال الطلاب.
وتصف قفة نقطة البداية بقولها ليورونيوز: "مش بس من الصفر، كمان من تحت الصفر"..
في البداية جلس الطلاب على الأرض، قبل أن يساعد دعم محلي في توفير كراسٍ لهم. وتستعيد المديرة ما كانت توفره المدرسة قبل الحرب من كهرباء وأجهزة وقرطاسية، وهي تشرح صعوبة استعادة التدريس بالإمكانات المتاحة.
وبحسب هناء قفة، أتاح تعاون الوزارة والمجتمع المحلي والمؤسسات الشريكة والمعلمين فتح الصفوف مجددًا، لكن الإقبال يفوق قدرة المدرسة. لذلك تعمل بثلاث فترات، ويمتد عملها من السابعة صباحًا حتى الرابعة عصرًا. وتقول: "بنحاول نستقبل أكبر عدد ممكن من الطلاب ونعيدهم إلى الدراسة".
وعلى مستوى القطاع، تعتمد ترتيبات التعليم الحضوري التي أعلنتها الوزارة ثلاث ورديات يوميًا، وثلاثة أيام أسبوعيًا لكل مجموعة، بما يسمح للموقع الواحد باستقبال ست مجموعات بالتعاقب.
وتفسّر الأضرار الواسعة الاعتماد على هذه الترتيبات والمساحات البديلة. فقد أوردت اليونيسف في تحديثها التعليمي لنهاية أبريل/نيسان 2026 أن أكثر من 93% من المباني المدرسية تحتاج إلى تأهيل كبير أو إعادة بناء، استنادًا إلى تقييم أضرار مؤرّخ في نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
داخل الخيمة، تواجه رغد العمصي، معلمة العلوم في مدرسة العروبة، مشكلات تتكرر أثناء شرح الدروس. فالجوّ الحارّ يستنزف جهدها ويشتت انتباه الطلاب، والإضاءة تجعل رؤية السبورة صعبة من المقاعد الخلفية، فيما يشكو التلاميذ من التعب بسبب الكتابة بظهور منحنية دون أثاث مناسب.
وتقول العمصي ليورونيوز: "إحنا بنعاني من الازدحام جوّه الصف"، مضيفة: "ومع الشوب (الحرّ) طبعًا كل هذا يؤثر على العملية التعليمية". وتشير المدرّسة أيضا إلى صعوبة استخدام بعض السبورات، حين لا يترك الطبشور عليها كتابة واضحة. وهي تفاصيل تأخذ من وقت المعلّمة وجهدها في كل حصة.
ويحتاج استمرار التدريس إلى دعم العاملين أيضًا. فبحسب تقرير اليونيسف للنصف الأول من 2026، استفاد 7151 معلمًا وعاملًا تربويًا من الحوافز والتدريب ضمن استجابة مجموعة التعليم.
العودة إلى الصف لا تمحو سنوات الغياب
لم تنتظر محاولات التدريس افتتاح العام الحالي. فقد أتاح شركاء مجموعة التعليم عملية تلقين منظّمة لنحو 433 ألف طفل في سن المدرسة وما قبلها، عبر 613 مساحة مؤقتة خلال النصف الأول من 2026. لكن استمرار استخدام مبانٍ مدرسية قابلة للتشغيل أو الإصلاح لإيواء النازحين قلّص المساحات المتاحة للتعليم، بحسب التقرير نفسه.
وتكشف شهادة مرح عن جانب آخر من المشكلة. فهي تقول إن التعليم الإلكتروني لم يعوّضها عما فاتها، وتنتقد الاعتماد على مساعدة الكبار والغش في أداء المهمات، بحسب تجربتها. وما يشغلها اليوم هو قدرتها على فهم دروس المرحلة التي وصلت إليها، بعدما افتقدت الدراسة المنتظمة في السنوات السابقة.
ويستمر التعليم الإلكتروني ضمن الخطة الجديدة لنحو 40 ألف طالب داخل القطاع يتعذر عليهم الوصول إلى التعليم الوجاهي، ونحو 20 ألفًا من طلبة غزة الموجودين خارجه، وفق الوزارة.
ويوفر هذا المسار فرصة لمتابعة الدراسة، لكن أعداد المستفيدين وحدها لا توضح ما اكتسبوه من معرفة، أو مقدار ما عوّضوه من الانقطاع.
كما تتطلب متابعة الدروس عن بعد جهازًا واتصالًا بالإنترنت ومصدرًا للكهرباء، إلى جانب مكان يسمح للطالب بالتركيز. وقد وثقت اليونيسف افتقار الأسر إلى مستلزمات الدراسة والمساحات الهادئة والكهرباء اللازمة للمذاكرة بعد حلول الظلام.
ولمعالجة مشكلة الفاقد، يتضمن برنامج التعليم المسرّع الذي أطلقته اليونيسف في يناير/كانون الثاني تعلمًا قائمًا على المهارات للصفوف من الثاني إلى التاسع، وتهيئة للأطفال قبل المدرسة، مع دعم نفسي واجتماعي. وتقول المنظمة إن حجم الفاقد لم يُقَس كاملًا بعد، رغم تراجع المهارات الأساسية في القراءة والحساب.
في مدرسة العروبة، تأمل قفة أن تتمكن المؤسسة من تعويض جزء مما فقده الطلاب. وتوضح شهادتها وشهادة العمصي صعوبة المهمة: وقتٌ محدود لكل مجموعة، وصفوفٌ مزدحمة، وتجهيزاتٌ يصعب معها أحيانًا أن يرى الطالب ما يُكتب على السبورة.
كلفة الدراسة وخشيةٌ من قدوم فصل الشتاء
وتشمل العودة أيضًا المدارس الخاصة. وبحسب تصريحات لمدير عام الإدارات المدرسية بوزارة التربية والتعليم، عائد الربعي، نشرها موقع "آخر قصة" في 31 أغسطس/آب، يُتوقع أن تستقبل 210 مدارس خاصة مرخّصة نحو 60 ألف طالب خلال العام الجديد. وتختلف كلفة الدراسة بين هذه المؤسسات والمساحات المجانية التي تدعمها الجهات التعليمية والإنسانية.
أما مرح، فتبدأ حسابات أسرتها من الكتب والقرطاسية التي تقول إنه يصعب توفير جميع احتياجاتها منها. وتصف رحلتها اليومية بأنها انتقال "من خيمة لخيمة"، مع الخشية من أن يحوّل المطر الطريق إلى طين ويجعل الوصول إلى المدرسة أصعب.
وتشرح العمصي ما يحدث داخل الصف شتاءً: تتسرب المياه عبر الشوادر والفتحات، ولا يترك الاكتظاظ مجالًا كافيًا لنقل الطالبات إلى مكان جاف. وتتمنى أن تعود إلى التدريس في مدرسة تتوافر فيها الأدوات والأثاث، ويتمكن الطلاب من متابعة الحصة بأريحية.
تريد مرح أن تتوافر لها ظروف تسمح بالتركيز على دراستها. وحين يذكّرها الآخرون بأهمية طلب العلم رغم الصعوبات، تقول إنها تدرك ذلك، لكنها تحتاج إلى ما يساعدها على الاستمرار: "إحنا فاهمينها والله، بس اعطونا مقومات إنو نعيش فيها، إنو نتعايش معها".