هذا التحول لا يقاس فقط بعدد الذين غادروا منازلهم، بل أيضاً بما حدث للمكان الذي تركوه خلفهم. أحياءٌ تغيرت ملامحها، ومناطق مقيّدة الوصول اتسعت، وأراض زراعية خرجت من دورة الإنتاج، وتجمعات سكانية فقدت أجزاء من سكانها، بينما استقبلت مناطق أخرى أعداداً تفوق قدرتها على استيعاب هذا الكم الديمغرافي.
بعد ألف يوم من الحرب، لم تعد غزة المكان الذي عرفه سكانها قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 تاريخ هجوم حماس على جنوب إسرائيل. أحياءٌ كاملة اختفت، وطرقٌ تغيرت، وأراض زراعية بات الوصول إليها محفوفاً بالموت، فيما يعيش معظم السكان بعيداً عن بيوتهم الأصلية، أو في مساحات تضيق بهم مع كل موجة نزوح جديدة.
هذا التحول لا يظهر فقط في صور الأقمار الصناعية أو أرقام المباني المدمرة. يمكن رؤيتُه أيضاً في حياة الناس على أطراف ما يعرف بـ"الخط الأصفر". فالبيوت كانت تقع وسط مناطق مأهولة أصبحت آخرَ نقطة سكنية قبل مناطق خطرة ويخضع الوصول إليها لتقييدات وصعوبات كثيرة.
في شرق مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، يعيش محمد رباح في واحد من هذه البيوت.. من الشرق والجنوب، كما يقول، بات الخط الأصفر قريباً منه، فيما تحوّلت الأراضي الزراعية التي نشأ فيها إلى مساحة يخشى الناس الاقتراب منها.
يقول رباح: " أنا (يقصد منزله) الآن صرت تقريباً آخر بيت، من الجنوب ومن الشرق أنا على حدود الخط الأصفر. هذه المنطقة كانت متنفساً للمخيم كله. طفولتنا كلها تربّت هنا، وكنا نطيّر الطائرات الورقية في هذه الأراضي".
قبل الحرب، كانت المناطق الشرقية للمغازي جزءاً من حياة السكان اليومية، أراض زراعية توفر الغذاء وفرص العمل، ومساحات مفتوحة للحركة والتنزه. أما اليوم، فقد أصبحت المساحة المتاحة أضيق، فيما يعيش السكان المتبقون على وقع إطلاق النار والخوف من التقدم العسكري المفاجئ للجيش الإسرائيلي.
وفي شرق المغازي، لا يقتصر التوتر على إطلاق النار أو احتمال التقدم البري، إذ تحلّق طائرات الكواد كابتر في المنطقة وتقترب من المناطق السكنية. وخلال تصوير هذا التقرير، اقتربت إحداها بشكل لافت من نطاق التصوير.
ويضيف رباح: "الدبابات وصلت إلى مسافة مئة متر تقريباً من بيتنا، رأيتها بعيني. كثير من الناس نزحوا، لكن نحن لم نغادر، ليس لدينا مكان آخر نذهب إليه".
جغرافيا جديدة غطّت على الجغرافيا القديمة
قصة شرق المغازي ليست حالة معزولة. فبعد ألف يوم من الحرب، تعرضت الخريطة العمرانية والطبيعية لقطاع غزة لتغيير جئري وواسع النطاق.
وفق تقييم مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، بلغت قيمة الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية المادية في قطاع غزة نحو 35.2 مليار دولار، فيما قُدّرت الخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو 22.7 مليار دولار.
وأشار التقييم، الصادر في أبريل/نيسان 2026، إلى تضرر أو تدمير أكثر من 370 ألف وحدة سكنية، ونزوح نحو 1.9 مليون فلسطيني، اضطر كثير منهم للمغادرة مرات متعددة، بينما فقد أكثر من 1.2 مليون شخص مساكنهم.
وإلى جانب الدمار العمراني، يقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حجم الركام في القطاع بنحو 61 مليون طن، ويقول إن إزالته قد تستغرق نحو سبع سنوات إذا توفرت المعدّات والوقود وإمكانية الوصول واستمرت العمليات بالوتيرة المطلوبة.
ولم يقتصر التحول على المدن والمباني. فقد تعرض نحو 87% من الأراضي المزروعة للضرر، وفق منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، كما تضررت نسبة مماثلة من الآبار الزراعية، فيما أصيب نحو 80% من البيوت البلاستيكية بأضرار.
في شرق المغازي والمناطق المحيطة بها، كانت الأراضي الزراعية امتداداً طبيعياً للتجمعات السكانية ومصدراً للدخل والغذاء. اليوم تغيرت علاقة السكان بهذه الأراضي.
نعيمة البيك، من سكان شرق المغازي، تقول إن المنطقة كانت مليئة بالسكان والمزارعين، لكن اقتراب الخط الأصفر دفع كثيرين إلى الرحيل.
وتقول: "كانت المنطقة مليئة بالسكان، لكن بعد وضع الخط الأصفر خرج كثير من الناس من الجهة الشرقية، وانعدمت الحياة فيها تقريباً. كانت هنا مساحات زراعية كبيرة، وكنا نتحرك بينها بحرية".
نعيمة نفسها لا تشعر بالاستقرار في منزلها. تقول إن العائلة تغادر في بعض الأيام مع حلول المساء للنوم في مكان آخر، ثم تعود لاحقاً في اليوم التالي.
وتضيف: "نعيش في رعب وخوف، لا يوجد استقرار ولا أمان. الخطر بالنسبة لنا هو أن يحدث تقدم مفاجئ نحو المنازل".
إلى جانب الدمار، أُضيفت إلى خريطة غزة خطوطٌ جديدة غيرت قدرة السكان على الوصول إلى مساحات واسعة من القطاع.
بعد وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بين تل أبيب وحركة حماس، أصبح "الخط الأصفر" أحد أبرز ملامح هذه الجغرافيا الجديدة. وكان يشير في البداية إلى منطقة انتشار القوات الإسرائيلية التي تغطي نحو 53% من مساحة القطاع، ما حصر الفلسطينيين عملياً في المساحة المتبقية.
لكن خريطة القيود لم تتوقف عند ذلك. فبحلول أواخر يونيو/حزيران 2026، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن المناطق المقيّدة الوصول باتت تشكل نحو 65% من مساحة القطاع، وأن معظمها محظور على السكان، فيما تتطلب حركة المنظمات الإنسانية داخلها إجراءات تنسيق مسبقة. كما تشير تقديرات أخرى إلى أن الدولة العبرية تسيطر على 80% من غزة بحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة.
وفي شرق المغازي، يقول السكان إن المشكلة لا تتعلق فقط بموقع الخط على الخرائط، بل بما يرونه على الأرض.
بلال أبو جلمبو، من سكان المنطقة، يقول إن العلامات الصفراء تغيّر موقعُها، وأن المسافة الفاصلة بينها وبين البيوت تقلّصت.
ويقول: "بحسب الخرائط التي كنا نعرفها، كان الخط أبعد من منطقتنا بأكثر من نصف كيلومتر. فجأة أصبح على بعد نحو 150 إلى 250 متراً، وفي الجهة المقابلة وجدنا أنفسنا خلفه".
ويضيف بلال: "هناك صعوبة في الحركة والوصول إلى الطريق الرئيسي، والمواصلات لا تصل بسهولة إلى هنا. أصبح الوصول إلى السوق والخدمات صعباً، وصارت المنطقة شبه معزولة عن بقية المخيم وعن المنطقة الوسطى".
نزوح يعيد توزيع السكان
على امتداد سنوات الحرب، أصبحت حركة السكان واحدة من أكثر الظواهر تأثيراً في البنية الديمغرافية لغزة. فنحو تسعة من كل عشرة فلسطينيين في القطاع تعرضوا للنزوح، وفق تقديرات الأمم المتحدة، وبعض العائلات انتقلت مرات عديدة بين الشمال والوسط والجنوب.
ومع تدمير مساحات واسعة من شمال القطاع ومدينة غزة ورفح وخان يونس ومناطق أخرى، تركزت أعداد كبيرة من السكان في مناطق محدودة، خصوصاً في وسط القطاع والمناطق الساحلية. والنتيجة قطاع أكثر ازدحاماً في بعض مناطقه، وأكثر فراغاً في مناطق أخرى.
في شرق المغازي، يمكن مشاهدة هذا التحول على نطاق صغير. فقد استقبلت المنطقة نازحين خلال مراحل مختلفة من الحرب، قبل أن تتحول هي نفسها إلى منطقة طاردة للسكان بسبب إطلاق النار والتوغلات والخوف من الاقتراب من الخط الأصفر.
يقول أبو بلال جلمبو إن المنطقة كانت مليئة بالنازحين إلى جانب سكانها الأصليين، لكن تكرار القصف وإطلاق النار والإصابات دفع عدداً كبيراً منهم إلى مغادرة المكان.
المختار (مسؤول محلي) تيسير عبد الجواد يقول إن الحياة اليومية في المنطقة تحولت إلى حالة انتظار دائم للخطر.
ويقول: "الخط الأصفر لا يبعد عنا سوى نحو 150 متراً. إطلاق النار يحدث بشكل متكرر ومن دون إنذار مسبق، وأحياناً يبقى الناس داخل بيوتهم طوال اليوم ولا يخرجون”.
ولا تقتصر مخاوف السكان، وفق عبد الجواد، على إطلاق النار أو اقتراب الآليات العسكرية. فهو يشير إلى أن مجموعات مسلحة يقول إنها تتعاون مع الجيش الإسرائيلي وصلت إلى المنطقة أكثر من مرة.
ويقول: "وصلت إلى هذه المنطقة أكثر من مرة، وقتلت أشخاصاً واعتقلت آخرين. بعد ظهور هذه المجموعات أصبح الخوف أكبر، لأنها تتقدم من دون إنذار أو علم مسبق".
ويضيف: "قد تكون المنطقة هادئة كما هي الآن، وبعد دقائق تسمع إطلاق النار واقتراب العربات والمصفحات والمجنزرات. الناس في حالة رعب وخوف وقلق دائم".
ويقول عبد الجواد إن مسجد حسن المصدر، الذي كان معلماً معروفاً في المنطقة، تعرض للهدم، وأصبحت المنطقة المحيطة به جزءاً من المشهد الجديد للخط الأصفر.
ولا تقتصر المخاطر على الخوف من الاقتراب من الخطوط غير الواضحة للسكان. فبين 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وبداية أبريل/نيسان 2026، تحقق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من مقتل 196 فلسطينياً قرب الخط الأصفر، بينهم 43 طفلاً و18 امرأة.
غزة أصغر في عيون سكانها
جغرافياً، ما زالت مساحة قطاع غزة المسجّلة على الخرائط كما هي. لكن المساحة التي يستطيع سكانه استخدامها فعلياً تغيرت جذرياً.
مناطق واسعة تعرضت للدمار، وأخرى أصبحت خطرة أو غير قابلة للوصول إليها، فيما تكدس السكان والخيام والمباني المؤقتة في المساحات المتبقية.
وفي مجتمع ارتبطت فيه العائلات تاريخياً بأحيائها وقراها ومخيماتها، لا يعني النزوح تغيير عنوان السكن فقط. إنه يغير أيضاً العلاقات الاجتماعية، وفرص العمل، والوصول إلى المدارس والخدمات والأسواق، ويقطع صلة أجيال كاملة بأماكن نشأت فيها.
هذا التحول لا يقاس فقط بعدد الذين غادروا منازلهم، بل أيضاً بما حدث للمكان الذي تركوه خلفهم. أحياءٌ تغيرت ملامحها، ومناطق مقيّدة الوصول اتسعت، وأراض زراعية خرجت من دورة الإنتاج، وتجمعات سكانية فقدت أجزاء من سكانها، بينما استقبلت مناطق أخرى أعداداً تفوق قدرتها على استيعاب هذا الكم الديمغرافي.
محمد رباح، الذي يرفض مغادرة بيته في شرق المغازي رغم الخطر، يقول إن الأراضي المحيطة بالمنطقة لم تكن مجرد حقول، بل كانت جزءاً من طفولته وذاكرة المخيم ومصدر دخل لسكانه.
ويضيف: "كانت هذه الأرض زراعة وأكلاً وشرباً للمخيم، وكان يعمل فيها كثير من السكان. اليوم لا نعرف أين نعمل، ولا أين نذهب، ولا أين نتنفس. المساحة ضاقت علينا جداً".
بعد ألف يوم من الحرب، يمكن قياس حجم التغيير في غزة بأعداد البيوت المدمرة، وأطنان الركام، ومساحات الأراضي التي لا يستطيع السكان الوصول إليها. لكن، هناك مقياس آخر يظهر في شرق المغازي وفي عشرات المناطق المشابهة.
بيتٌ كان في قلب منطقة سكنية أصبح آخر بيت على الحدود، وحقلٌ كان مصدر رزق أصبح منطقة يخشى صاحبه دخولها، وطريقٌ كان يصل الناس بالسوق تحول إلى رحلة محفوفة بالخطر.
بعد ألف يوم، لا يسأل كثير من سكان غزة فقط متى يعيدون بناء بيوتهم، بل إلى أي مكان سيعودون، وكم بقي من غزة التي يعرفونها.