في جنوب لبنان، يواجه المزارعون تحديات كبيرة، إذ أن استمرار القيود الإسرائيلية تحول دون وصول الكثير منهم إلى أراضيهم خلال موسم قطاف الزيتون ما يهدد بضياع محاصيلهم ويكبّدهم خسائر فادحة، في وقت يشكّل فيه هذا الموسم مصدر رزق لعائلات كثيرة.
تختلف ظروف القطاف من منطقة إلى أخرى، إذ تمكن بعض المزارعين في قرى مثل راشيا الفخار وكوكبا من إنجاز أعمالهم، فيما يخضع الوصول إلى أراضٍ أخرى، لا سيما القريبة من الحدود أو الواقعة ضمن ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي حددته إسرائيل، لدواع أمنية تستوجب الحصول على أذونات مسبقة. وفي بعض البلدات، مُنعت أعمال القطاف أو تأخرت نتيجة عدم صدور الموافقات المطلوبة.
تتجاوز المخاطرُ القيودَ المفروضة على دخول الأراضي، إذ ألقت مسيّرات إسرائيلية قنابل صوتية قرب مزارعين أثناء القطاف في ياطر وكفرشوبا في الأيام السابقة، فيما احتجزت القوات الإسرائيلية مزارعيْن اثنين في كفرشوبا في 18 تشرين الأول/أكتوبر، قبل إطلاق سراحهما لاحقاً بحسب مصادر إعلامية ومحلية.
ورغم هذه التحديات، تتواصل محاولات تأمين موسم القطاف. وتأتي هذه الجهود وسط أضرار تراكمت خلال سنوات الحرب، إذ أظهر تقييم أعدّته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو"، بالتعاون مع الجهات اللبنانية المختصة، أن نحو 814 هكتاراً من بساتين الزيتون تعرضت للدمار، فيما تجاوزت خسائر القطاع 236 مليون دولار بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وتشرين الثاني/نوفمبر 2024.
أذونات للوصول إلى الأراضي
في القرى الجنوبية القريبة من الحدود، بات قطاف الزيتون مسألة تتطلب ترتيبات أمنية معقدة. إذ يُطلب من المزارعين تقديم طلبات عبر البلديات، بالتنسيق مع الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل" ولجنة "الميكانيزم" المعنية بمتابعة الترتيبات الأمنية. وتشمل الإجراءات تقديم بيانات شخصية وصور هويّات أصحاب الأراضي والعمال، إضافة إلى معلومات عن المركبات المستخدمة، مع الالتزام بأوقات محددة للدخول والخروج.
وفي هذا السياق، يقول رئيس بلدية كفرشوبا (قضاء حاصبيا) قاسم القادري، في مقابلة مع موقع "يورونيوز"، إن البلدية تقدمت بطلب منذ أكثر من ثلاثة أشهر للسماح للمزارعين بتهيئة أراضيهم في أيلول/سبتمبر، تمهيداً لقطاف الزيتون بين 15 تشرين الأول/أكتوبر و15 تشرين الثاني/نوفمبر، لكن الموافقات المطلوبة لم تصل في الموعد المحدد.
ويروي القادري أنه بعد سلسلة اتصالات مع قوات "اليونيفيل" والجهات اللبنانية المعنية، تجمع نحو 250 مزارعاً في ساحة كفرشوبا صباح 15 تشرين الأول/أكتوبر، استعداداً للتوجه إلى بساتينهم، لكن الدوريات التي كانوا ينتظرونها لمواكبتهم لم تحضر، ما دفع عدداً منهم إلى التوجه للحقول من دون مرافقة أمنية.
وبعد نحو ساعتين، وصلت دوريات إسرائيلية وأبلغت المزارعين بأنهم لا يمتلكون الإذن اللازم، وطلبت منهم وقف الأعمال، فغادروا على مضض.
ولاحقاً، طُرحت شروط جديدة تسمح بدخول عدد محدود من الأشخاص والمركبات إلى الأراضي الزراعية، فضلاً عن اشتراط تقديم بيانات شخصية مفصّلة عن المزارعين والعمال، تشمل على سبيل المثال الأسماء الثلاثية الكاملة وأرقام بطاقات الهوية وتواريخ الميلاد. وقد رفضت البلدية تلك الشروط باعتبارها غير قابلة للتطبيق.
ويُضيف القادري: "شعرنا كأننا نتقدم بطلب للحصول على تأشيرة دخول إلى دولة أخرى"، متسائلاً عن إمكانية إنجاز القطاف ضمن أعداد محدودة، في وقت يحتاج فيه كل مزارع إلى فريق من العمال لمساعدته.
ويشير إلى أن البلدية اقترحت تقسيم الأراضي إلى مناطق وتخصيص أيام محددة للقطاف في كل منها، بما يسمح لأكبر عدد من المزارعين بجني محاصيلهم، إلا أن الخلاف على الآلية المناسبة لا يزال يعطل التوصل إلى حل، فيصبح المزارعون بذلك مغلوبين على أمرهم، وعاجزين عن جنْي محصول ينتظرونه منذ عام كامل.
تجميد الموافقة على الأذونات وارتفاع تكاليف الإنتاج
في دير ميماس بقضاء مرجعيون، يواجه المزارعون بدورهم صعوبات في الوصول إلى بساتينهم، وتوضح روز بشارة بيريني، مؤسسة مشروع "دارميس" الاجتماعي، الذي يعمل مع مزارعين في ثلاث قرى، أن أعمال القطاف سارت بصورة طبيعية في كوكبا وراشيا الفخار، بينما استوجب العمل في دير ميماس الحصول على أذونات أمنية.
وتقول بيريني، في حديث إلى "يورونيوز"، إنها حصلت مع المزارعين الذين تعمل معهم على الموافقة المطلوبة، وتمكنت من إنهاء القطاف المبكر في 11 تشرين الأول/أكتوبر، لكن إسرائيل عدلت لاحقاً عن قرارها.
وتحذر من التداعيات على أهالي دير ميماس، التي يشكل الزيتون وزيته ركناً أساسياً من اقتصادها المحلي، مشيرة إلى أن استمرار منع بعض المزارعين من دخول أراضيهم قد يحرم عائلات من إنتاج تعتمد عليه لتأمين احتياجاتها ومؤونتها السنوية.
وألقت الظروف الأمنية بظلالها على تكاليف الإنتاج، إذ تسببت المخاوف من العمل في المناطق الحدودية بارتفاع أجور العمال، إلى جانب زيادة نفقات قطاف الزيتون وعصره ونقله. وتبدي بيريني قلقها من ارتفاع تكاليف الشحن إلى الخارج عند تصدير المحصول، خصوصاً أن نحو 80% من مبيعات المشروع تتجه إلى الأسواق الخارجية.
أعباء تضاعف الخسائر
في مناطق جنوبية أخرى تمكن المزارعون من جني محاصيلهم، لكنهم واجهوا تحديات مرتبطة بتسويق الإنتاج وارتفاع تكاليف النقل وتراجع القدرة الشرائية، وهي مشكلات تفاقمت مع تداعيات الحرب.
يشرح المزارع حسين بركات، في مقابلة مع "يورونيوز"، أن إغلاق طريق حاصبيا – مرجعيون – الخردلي منذ أشهر بسبب الوجود الإسرائيلي، أجبر المزارعين على سلوك طرق بديلة أطول للوصول إلى بيروت، ما زاد نفقات نقل المحاصيل، خصوصاً مع ارتفاع أسعار المحروقات وأجور النقل.
ويشير إلى أن السوق المحلية في حاصبيا لا تستوعب كامل إنتاج المنطقة من الزيتون وزيته، إذ اعتاد المزارعون الاعتماد على بيروت والقرى الحدودية لتصريف جزء كبير من محاصيلهم، لكن الحرب وتراجع القدرة الشرائية للسكان ساهما في انخفاض الطلب، ما جعل بيع الإنتاج أكثر صعوبة.
ويوضح حسين أن العائلات التي كانت تشتري ثلاث أو أربع تنكات من زيت الزيتون أصبحت تكتفي أحياناً بتنكة واحدة، في حين تستمر التكاليف في الارتفاع. ويضع هذا الواقع المزارعين أمام خيارين صعبين: بيع المحصول بهامش ربح ضئيل قد لا يغطي النفقات، أو الاحتفاظ به مع تحمل أعباء إضافية في انتظار مشترين محتملين.
ومن هنا، يطالب حسين بدعم تسويق زيت الزيتون اللبناني وفتح أسواق جديدة أمامه، إلى جانب مساعدة المزارعين في تغطية تكاليف الإنتاج، محذراً من أن استمرار الظروف الحالية يضاعف الضغوط المعيشية على الأسر التي تعتمد على إنتاج الزيتون.