استعرض تقرير لمجلة "فوربس" تصاعد الجدل حول مشروعي جاريد كوشنر وإيفانكا ترامب في ألبانيا وسط احتجاجات شعبية ومخاوف بيئية وتحقيقات رسمية بشأن تطوير منتجعات فاخرة بمليارات الدولارات.
بينما يسعى جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وزوجته إيفانكا ترامب إلى تحويل جزيرة متوسطية معزولة وساحل محمي في ألبانيا إلى وجهتين سياحيتين فاخرتين بمليارات الدولارات، تتصاعد في المقابل موجة من الاحتجاجات الشعبية والانتقادات البيئية والتحقيقات الرسمية التي تهدد بإلقاء ظلال من الشك على المشروع.
وتحول المشروع خلال الأشهر الأخيرة من استثمار عقاري ضخم إلى قضية سياسية وبيئية مثيرة للجدل، مع اتهامات للحكومة الألبانية بتسهيل الإجراءات لصالح المستثمرين، ومخاوف من استغلال العلاقات مع إدارة ترامب، إضافة إلى تحذيرات منظمات بيئية من تداعيات البناء داخل مناطق محمية.
فلماذا يثير مشروع كوشنر كل هذا الجدل في ألبانيا؟
مشروعان بمليارات الدولارات
بحسب تقرير مطول نشرته مجلة فوربس، واستند إلى معلومات وتصريحات وتقارير نشرتها رويترز والغارديان ونيويورك تايمز وبوليتيكو، إلى جانب مقابلات مع كوشنر وإيفانكا ترامب ومسؤولين ألبان، فإن الجدل المحيط بالمشروع يتجاوز حدود الاستثمار العقاري ليشمل أبعادا سياسية وبيئية وقانونية متشابكة.
تعود جذور القضية إلى خطط شركة "أفينيتي بارتنرز" التابعة لكوشنر لتطوير مشروعين سياحيين ضخمين في ألبانيا.
ويتضمن المشروع الأول استثمارا بقيمة 1.4 مليار دولار في جزيرة سازان غير المأهولة الواقعة في البحر الأدرياتيكي، فيما يشمل المشروع الثاني تطوير جزء من منطقة زفرنتس الساحلية المحمية باستثمارات تصل إلى 4.7 مليار دولار.
ويخطط كوشنر وإيفانكا ترامب لإقامة منتجعات سياحية فاخرة تستهدف الأثرياء. وكان كوشنر قد أوضح في تصريحات سابقة أن منتجع سازان سيكون "منتجا فاخرا للغاية"، مضيفا أنه يسعى إلى إنشاء "المنتجع المثالي الذي أرغب في التواجد فيه مع عائلتي وأصدقائي".
موافقة حكومية تثير التساؤلات
حصل مشروع جزيرة سازان على موافقة أولية من الحكومة الألبانية في كانون الأول 2024، بعد فترة وجيزة من إعادة انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ومنحت السلطات الألبانية المشروع صفة "المستثمر الاستراتيجي"، وهي صفة تتيح تسريع الإجراءات الإدارية والحصول على الموافقات الحكومية بوتيرة أسرع.
وأثار توقيت هذه الموافقة تساؤلات لدى منتقدين يرون أن الحكومة الألبانية ربما تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع الإدارة الأميركية الجديدة عبر دعم مشروع يرتبط مباشرة بعائلة ترامب.
ورفض المسؤولون الألبان هذه الاتهامات، مؤكدين أن المشروع يخضع للقوانين والإجراءات المعمول بها في البلاد.
مخاوف تتجاوز البيئة والسياسة
ولا يقتصر الجدل على الجوانب البيئية فحسب، إذ يرى منتقدون أن توقيت الموافقة الحكومية على مشروع سازان يثير تساؤلات بشأن العلاقة بين المشروع والسياسة الأميركية.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه كوشنر تدقيقا متزايدا بشأن نشاط صندوقه الاستثماري "أفينيتي بارتنرز"، الذي واصل توسيع أعماله الدولية خلال ولاية ترامب الثانية، بما في ذلك مشاريع جرى الحديث عنها في مناطق أخرى من العالم، من بينها غزة.
كما أثار اعتماد الصندوق على استثمارات أجنبية، بالتزامن مع استمرار كوشنر في عقد شراكات ومشاريع دولية، نقاشا أوسع في الولايات المتحدة بشأن حدود التداخل بين الأعمال الخاصة والعلاقات السياسية.
مخاوف بيئية تتصدر المشهد
لم يقتصر الجدل على الجانب السياسي، بل امتد إلى الملف البيئي.
فالمنطقتان المستهدفتان بالمشروع تقعان داخل مناطق ذات أهمية بيئية خاصة وتضمان أنواعا متعددة من الحيوانات والنباتات، ما دفع عشرات المنظمات البيئية إلى التحرك ضد المشروع.
وفي كانون الثاني الماضي، وجهت 41 منظمة بيئية رسالة إلى الحكومة الألبانية طالبت فيها بـ"التعليق الفوري لأي قرارات تدفع قدما بأعمال البناء"، محذرة من تداعيات المشروع على النظم البيئية الحساسة في المنطقة.
ويؤكد المعارضون أن خطط التطوير قد تؤثر على واحدة من آخر المناطق الساحلية غير المطورة في البحر الأدرياتيكي، في حين يشدد المطورون على التزامهم بمعايير الاستدامة والحفاظ على البيئة.
احتجاجات متصاعدة وتحقيقات رسمية
بدأت الاحتجاجات ضد المشروع خلال فصل الربيع بعد ظهور أسلاك شائكة ومؤشرات أخرى على بدء الأعمال التحضيرية في مواقع التطوير.
لكن التوتر تصاعد بصورة أكبر خلال الأيام الأخيرة بعد انتشار مقاطع مصورة أظهرت حراسا أمنيين وهم يبعدون متظاهرين بالقوة من محيط المشروع، ما أثار موجة غضب جديدة بين الناشطين والسكان المحليين.
وبالتوازي مع الاحتجاجات، فتح مكتب الادعاء المختص بمكافحة الفساد في ألبانيا تحقيقا بشأن تعديلات قانونية أقرتها الحكومة عام 2024 وسهلت تنفيذ مشاريع سياحية على أراض محمية بيئيا.
ولا يستهدف التحقيق مشروع كوشنر بصورة مباشرة، بل يركز على التعديلات التشريعية التي مهدت الطريق أمام مثل هذه المشاريع، فيما لا يزال من غير الواضح متى قد تنتهي التحقيقات أو ما إذا كانت ستنعكس على مستقبل المشروع.
وفي سياق متصل، اتخذت السلطات الألبانية إجراءات بحق بعض شركات الأمن الخاصة المتهمة بالاعتداء على محتجين، حيث سحبت تراخيص شركتين وأوقفت أحد الحراس الأمنيين.
إيفانكا ترامب تدافع عن المشروع
عاد المشروع إلى واجهة النقاش الإعلامي بعد تصريحات أدلت بها إيفانكا ترامب خلال إحدى المدونات الصوتية، تحدثت فيها بإسهاب عن المشروع المرتقب.
وأوضحت أن الجزيرة أسرتها هي وزوجها منذ الزيارة الأولى، ووصفت المشروع بأنه يمثل خلاصة خبرتها الطويلة في قطاع العقارات، ورحلاتها حول العالم، ورؤيتها الخاصة لطريقة الحياة التي ترغب في عيشها مستقبلا.
وأضافت أن المشروع يجسد أيضا تصورا لما تعتقد أن كثيرا من الناس باتوا يبحثون عنه اليوم، معتبرة أنه محاولة لبناء مكان يعكس هذه الرؤية بصورة ملموسة.
إلا أن هذه التصريحات أثارت انتقادات وسخرية من معارضي ترامب، الذين اعتبروا أنها تعكس انفصالا عن الواقع في ظل الجدل الشعبي والسياسي والبيئي الذي يحيط بالمشروع.
ماذا تقول الحكومة الألبانية؟
تمسك رئيس الوزراء الألباني إيدي راما بالمشروع رغم تصاعد الاحتجاجات والانتقادات.
وأكد أن ألبانيا يجب أن تبقى بلدا مرحبا بالمستثمرين، محذرا من إعطاء صورة توحي بأن المستثمرين يواجهون العداء داخل البلاد.
وشدد راما على أنه لا يرى أي احتمال لتوقف المشروع ما دام في منصبه.
كما دافعت الحكومة الألبانية عن المشروع باعتباره متوافقا مع القوانين البيئية، فيما أكد المطورون أن خططهم تركز على الإدارة المسؤولة للموارد الطبيعية وتعزيز البيئة وخلق فرص عمل وتوفير قيمة اقتصادية طويلة الأمد للمجتمعات المحلية.
شبكة واسعة من المستثمرين والشركاء
يعتمد صندوق "أفينيتي بارتنرز" بصورة كبيرة على تمويل خارجي، إذ ذكرت تقارير سابقة أن الجزء الأكبر من أمواله يأتي من صناديق ثروة سيادية في السعودية وقطر والإمارات.
كما كشف كوشنر أنه تعرف إلى فرص الاستثمار في ألبانيا عبر ريتشارد غرينيل، المبعوث الأميركي للمهام الخاصة، والذي وصفته تقارير إعلامية بأنه لعب دورا مهما في ربط الصندوق بفرص الأعمال في المنطقة.
وارتبط المشروع أيضا برجال الأعمال الألبانيين شفقيت كاستراتي ونجله موسى كاستراتي، فيما أشارت تقارير إلى مشاركة مستثمرين آخرين بينهم رجلا الأعمال القطريان معتز الخياط ورامز الخياط في بعض المشاريع المرتبطة بالتطوير الساحلي.
وقال كوشنر إنه اكتشف جزيرة سازان خلال رحلة بحرية على متن يخت يملكه المستثمر البريطاني نات روتشيلد، أحد أفراد عائلة روتشيلد المعروفة، لكنه أكد عدم وجود مؤشرات على مشاركة العائلة بشكل مباشر في المشروع.
تجربة صربية سابقة
الجدل الدائر في ألبانيا ليس الأول من نوعه بالنسبة لكوشنر.
فقد كان يعمل سابقا على مشروع عقاري يحمل علامة ترامب التجارية في العاصمة الصربية بلغراد، قبل أن ينسحب منه في كانون الأول 2025 بعد توجيه اتهامات إلى أربعة مسؤولين حكوميين كبار بإساءة استخدام السلطة والتزوير على خلفية المشروع.
ونفى المسؤولون ارتكاب أي مخالفات، بينما أوضح صندوق "أفينيتي" أنه أنهى مشاركته لأن المشاريع الكبرى يجب أن تكون عامل توحيد لا مصدر انقسام داخل المجتمعات.
امتيازات ضريبية ومستقبل غير محسوم
حتى الآن، لم تبدأ أعمال البناء الفعلية في أي من المشروعين، كما لم تقدم الخطط النهائية بصورة رسمية إلى الحكومة الألبانية، وما زالت بعض التفاصيل قيد التفاوض.
ولا يوجد جدول زمني معلن لإنجاز منتجعي سازان أو زفرنتس، كما أن المشاريع لا تزال في مرحلة مبكرة نسبيا.
وبموجب اتفاق المستثمر الاستراتيجي الموقع عام 2024، لن تخضع شركة كوشنر للضرائب لمدة عشر سنوات خلال مرحلة الإنشاء، وهو ما يشير إلى أن تنفيذ المشروع قد يستغرق سنوات طويلة قبل اكتماله.
ورغم تمسك الحكومة الألبانية بالمشروع، فإن الاحتجاجات الشعبية والتحقيقات الجارية والانتقادات البيئية المتصاعدة تجعل مستقبله أكثر تعقيدا مما كان عليه عند الإعلان عنه لأول مرة.
وبين الوعود بتحويل الساحل الألباني إلى وجهة سياحية عالمية، والتحذيرات من تداعيات بيئية وسياسية طويلة الأمد، يبقى مصير المشروع مفتوحا على احتمالات عدة، في وقت تقدر مجلة فوربس ثروة جاريد كوشنر بنحو مليار دولار، ما يجعله أحد أبرز المستثمرين الأميركيين الذين يخوضون رهانات عقارية وسياسية متشابكة خارج الولايات المتحدة.