أظهرت التجارب على الفئران أن هذا الهيكل قادر على دعم تجديد الأعصاب عبر فجوات تصل إلى 10 سنتيمترات، وهي مسافة يعجز الجسم البشري عن سدها دون مساعدة.
كشف باحثون من جامعة أكسفورد عن تقدّم علمي استثنائي في مجال إصلاح الأعصاب. فقد طوّر فريق بحثي علاجاً مبتكراً يعتمد على حرير العنكبوت المستخرج من عناكب "غولدن أورب-وير"، والمُعزَّز بتقنيات مستوحاة من حرير دودة القز، لإعادة بناء الأعصاب التالفة، في محاولة لمعالجة مشكلة سريرية مزمنة يعاني منها مئات الآلاف سنويّاً.
ففي المملكة المتحدة وحدها، يُصاب نحو 300 ألف شخص سنويّاً بإصابات في الأعصاب الطرفية، يُعالج معظمهم حالياً بعملية "التطعيم الذاتي"، التي تتطلب استئصال عصب سليم من جزء آخر من الجسم لترقيع العصب التالف. لكن هذا الإجراء لا يخلو من عيوب جوهرية؛ فهو لا يشفى المريض بل ينقل الضرر من مكان إلى آخر، ويحقق معدل تعافي لا يتجاوز 50%، مع مضاعفات تصيب أكثر من ربع الحالات.
ويهدف العلاج الجديد، الذي طورته شركة "نيوروتكس" (Newrotex) الناشئة من جامعة أكسفورد، إلى إنهاء هذه المعضلة عبر توفير "شريان حياة" جاهز خارجياً يلغي الحاجة إلى الجراحة الثانية تماماً.
هيكل داعم يعيد بناء الاتصال العصبي
ويعتمد الابتكار على ألياف حرير العنكبوت، التي تُشكّل داخل الجسم ما يشبه "الشبكة الداعمة"، حيث تلتصق بها خلايا الأعصاب وتنمو عبرها بمعدل يزيد على 1.1 ملليمتر يومياً.
وقد أظهرت التجارب على الفئران أن هذا الهيكل قادر على دعم تجديد الأعصاب عبر فجوات تصل إلى 10 سنتيمترات، وهي مسافة يعجز الجسم البشري عن سدها دون مساعدة.
ومن أبرز مزايا هذا الحرير توافقه الحيوي العالي، إذ يذوب تماماً من الجسم خلال عامين دون ترك أي أثر، مما يقلل بشكل كبير من احتمالات الرفض أو التفاعل السلبي مقارنة بالمواد الاصطناعية الأخرى.
ويتم الحصول على الحرير من عناكب مدغشقر بعد تهدئتها بلطف بثاني أكسيد الكربون. ثم تُحفّز غددها الحريرية بفرشاة دقيقة لاستخراج ألياف "خط الجر"، التي تُلف يدوياً على بكرات خاصة.
وعلى الرغم من أن سُمك هذه الألياف أقل من شعرة الإنسان، فإن قوتها تفوق الفولاذ وزناً بوزن، وهو ما يجعل الحفاظ على سلامتها أثناء الاستخراج أمراً بالغ الأهمية.
حاجة سريرية عاجلة لملايين المرضى
ويشير البروفيسور أليكس وودز، المؤسس العلمي لـ"نيوروتكس"، إلى أن إصابات الأعصاب ليست حكراً على ضحايا الحوادث، بل تمتد لتشمل فئات واسعة من المرضى، مثل الرياضيين، والرجال المصابين بسرطان البروستاتا، والنساء اللواتي خضعن لعمليات استئصال الثدي، وكلهم يعانون من آلام مزمنة أو شلل جزئي نتيجة انقطاع الاتصال العصبي.
ويؤكد وودز أن هذا العلاج يستجيب لحاجة سريرية ضخمة لم تُلبَّ بعد، ويقدم لأول مرة بديلاً حقيقياً لا يكتفي بإدارة الضرر بل يسعى إلى شفائه.
بعد نجاح الاختبارات الأولية، تستعد "نيوروتكس" حالياً للمرحلة التالية من التجارب السريرية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وإذا أثبتت هذه التجارب فعالية العلاج وسلامته لدى البشر، فمن المتوقع أن يصبح متاحاً للمرضى الأوائل بحلول عام 2027، ليكون بذلك أول علاج "جاهز للاستخدام" من نوعه في العالم لمعالجة إصابات الأعصاب الطرفية.