قال رئيس أكبر منظمة أوروبية لحقوق الإنسان، مجلس أوروبا، لـ"يورونيوز" إن على الدول الأوروبية توفير الموارد المالية والإرادة السياسية لضمان محاسبة روسيا على جرائم الحرب المرتكبة في أوكرانيا.
حثّ رئيس مجلس أوروبا آلان بيرسيه الدول الأوروبية على تقديم دعم مالي لميزانية محكمة دولية خاصة من أجل ملاحقة المسؤولين عن جريمة العدوان على أوكرانيا، في وقت تتواصل فيه المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة بشأن تسوية سلمية، وذلك في مقابلة مع يورونيوز. المؤسسة التي يترأسها بيرسيه ومقرها ستراسبورغ وقّعت في يونيو الماضي اتفاقا مع أوكرانيا لإنشاء المحكمة الخاصة، بهدف ضمان مثول كبار المسؤولين في الكرملين، وفي مقدمتهم الرئيس فلاديمير بوتين، أمام العدالة يوما ما بسبب الغزو الشامل وغير المبرر لأوكرانيا. وقال بيرسيه في برنامج يورونيوز "12 Minutes With": "عندما يكون هناك عدوان، تكون هناك مسؤولية. وعندما يكون هناك دمار ومعاناة، تكون هناك مسؤولية"، مضيفا: "نحن الآن في مرحلة التحضير، لكننا بحاجة فعلية إلى إحراز تقدم وأن تُظهر الدول إرادة سياسية للانضمام إلى هذه الآليات المرتبطة بالمساءلة".
يريد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن يكون مقر المحكمة في مدينة لاهاي الهولندية، على أن تسدّ هذه الهيئة القضائية الفراغ القانوني الناجم عن عجز المحكمة الجنائية الدولية عن ملاحقة جريمة العدوان بحد ذاتها. غير أن جهود جمع التمويل للمحكمة تعقّدت في الآونة الأخيرة نتيجة تراجع انخراط الولايات المتحدة في المؤسسات الدولية، ما يضع ضغوطا إضافية على الدول الأوروبية لسد الفجوة. ويمكن لأي دولة خارج عضوية مجلس أوروبا، الذي يضم 46 دولة، أن تشارك في المحكمة الخاصة. كما أسّس مجلس أوروبا "سجل الأضرار" لتوثيق الأضرار وجرائم الحرب المحتملة، وهيئة إدارية لتقييم طلبات التعويض تُعرف باسم "لجنة المطالبات". وأوضح بيرسيه: "نحتاج الآن إلى رؤية واضحة للتكاليف والميزانيات، وإلى دعم واضح للميزانية، لأن مجلس أوروبا غير قادر بالتأكيد على القيام بذلك وحده؛ فالمشروع أكبر منا بكثير". وكان الاتحاد الأوروبي قد وقّع الشهر الماضي عقدا لتقديم أول 10 ملايين يورو لتمويل المحكمة، لكن مساهمات مالية أخرى لم تتبلور بعد. وذكرت مصادر مطلعة على الملف سابقا ليورونيوز أن مشروع الميزانية الأولي الذي قدّمه مجلس أوروبا، متضمنا إجمالي التكاليف التشغيلية المرتبطة بالمحكمة، بلغ نحو 75 مليون يورو سنويا.
"المساءلة" في مواجهة "الإفلات من العقاب"
في المقابلة الموسعة التي أُجريت معه الخميس، شدّد بيرسيه أيضا على أن نقاشات المساءلة يجب أن تكون جزءا من محادثات السلام الجارية، في إشارة إلى اللقاء الذي استضافته أبوظبي هذا الأسبوع ضمن محادثات سلام تقودها الولايات المتحدة. وقال: "من الواضح أن موضوع المساءلة جزء من النقاش برمّته، وإن لم يكن ذلك دائما بشكل إيجابي"، لافتا إلى أنه "في أول ما سُمّي خطة سلام، من بين 28 نقطة، كانت هناك نقطة لا تتحدث عن المساءلة بل عن الإفلات من العقاب". فقد تضمّنت مسودة أول خطة سلام مدعومة من الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا، والتي تسرّبت في ديسمبر الماضي، عفوا عاما كاملا عن الأفعال المرتكبة خلال الحرب، واتفاقا على "عدم تقديم أي مطالبات أو النظر في أي شكاوى في المستقبل".
هذه الخطة تجاوزت عدة خطوط حمراء بالنسبة لأوكرانيا وأوروبا، ما دفع الدول الأوروبية إلى طرح مقترح مضاد استند إلى الخطة الأمريكية الأولى، وصاغته كل من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة. وشمل المقترح تعديلات جوهرية، من بينها ما يتعلق بسقف القدرات العسكرية الأوكرانية، وطموحات كييف لعضوية حلف شمال الأطلسي، وكذلك مسألة الأراضي الأوكرانية الخاضعة للاحتلال الروسي. وأكد بيرسيه أن مجلس أوروبا يضيف قيمة خاصة إلى دعم القارة لأوكرانيا في ظل استمرار الدمار والمعاناة في البلاد، قائلا: "دورنا هو الربط بين سيادة القانون والقيم الديمقراطية والمسؤولية، وحيث توجد مسؤولية، توجد أيضا مساءلة. هذا بالتحديد ما ندافع عنه".
يمكنكم مشاهدة المقابلة كاملة ضمن برنامج "12 Minutes With" يوم الخميس عند الساعة 8:30 مساء بتوقيت وسط أوروبا.